أوحت لي اليوم جلسة قصيرة لارتشاف قهوة لم تدم أكثر من ساعة ونصف بمقهى السفراء بباب بوحاجة في سلا-المدينة ، بموضوع يهم شريحة كبرى لا أول لها ولا آخر من مرتادي المقاهي على اختلاف نواياهم ورغباتهم
دلفت إلى داخل هذه المقهى لأول مرة ، وأخذت مكانا بين عدد من زبنائها وأخرجت حاسوبي الصغير من محفظته لأتصفح ما جادت به علينا هذا اليوم الشبكة العنكبوتية من أخبارومعلومات ومستجدات رغم أنني أتوفر على الربط بالشبكة في مكان العمل..وبعد مرور قرابة ساعة ونصف ، جاء إلي النادل الأحول غيرالذي كان قبلئذ، ليطالبني باستهلاك مشروب إضافي ، قلت له، لقد شربت قهوتي وأديت ثمنها المحدد في سبعة دراهم ، وأضفت إليها ثلاثة دراهم لقاء استخدام الويفي للنادل الأول ، فلماذا تطالبني بالزيادة ، رد علي بأسلوب فج .. لأنه معك حاسوب ، إذ أن من ليس معه حاسوب لا يطالب بذلك ، أتممت عملي دون أن أستجيب لطلبه الغريب والعجيب ، وقمت لأتفحص قائمة أسعار المشروبات ، فلم أجد ولو إشارة واحدة لمثل هذا الاجتهاد السيء الذكروالمبتدع المتعلق بالأداء الإضافي لقاء استعمال خدمة الويفي بالمقهى ، وذلك في ظل أجواء غرائبية محمومة من التنافس بين المقاهي لجلب المزيد من الزبناء عبرالتوفيرالمجاني لخدمة الويفي وتثبيت أحدث وأعظم الشاشات التلفزية لنقل مختلف المباريات الكروية المؤدى عنها حصريا لفائدة شبكات بعينها والمتخصصة في البث التلفزيوني الرياضي
علمت بعدها أن هذه الزيادة مجرد سرقة من تحت المائدة تتم دون علم سلطات المراقبة ، وفي غفلة منها ، وذكرني هذا الأمر العجيب بما كانت تقوم به مقهى العرب في قلب الرباط العاصمة ، إذ كانت تعلق بكل استغباء للزبناء وبجرأة غيرمفهومة ولا هي مبررة، ورقة على زجاج واجهتها مكتوب عليها : لا يتجاوز قعودك ساعة بالمقهى ، وذلك لأنهم كانوا قد أدخلوا خدمة الويفي، وكأنهم هم وحدهم من يتوفرعليها، ويبدو أنهم أزالوها بعدما أصبحت هذه الخدمة متاحة في كل مكان لمن هب دب وبالمجان
ألا تتذكرون معي أيها الأحبة، حالة مقاهي الأنترنيت المسماة “السيبركافي” أيام العز، أين هي الآن ، إنها في ركود تام ، كان الله في عون أربابها ، ومنها التي تبخرت مع الزمن أو حولت نشاطها إلى منتوج آخر كبيع السندويتشات ، إن الدوام لله ، ودوام الحال من المحال ، هذا ما ينبغي أن يدركه كل متنطع لا يفهم في التجارة والجودة ولا يملك الحس والذكاء في التعامل مع الزبناء
أشياء أخرى معروفة كانت تقع وربما هي باقية إلى يومنا هذا بالمقاهي أدهى وأمرمما يقع بمقهى السفراء هذه بسلا من مثل أن يجبر الزبون أحيانا على اقتناء الحلوى مع المشروب خاصة إذا كان برفقة فتاة …ويجرنا الحديث هنا أيضا إلى ما قد يحدث من أفاعيل غيرمأمونة العواقب ومن سرقة للحظات حميمية بالبوس والعناق داخل ردهات المقاهي وفي أركان منزوية بها وحتى بين الكباروالقاصرين والقاصرات ، كما أن الأمور قد تختلط أحيانا بشرب السجائر الملفوفة بالحشيش وتناول الشيشة وبعض أصناف المخدرات
ومن المفارقات العجيبة أنني كنت قبل سنوات مضت، أشم عن بعد رائحة المخدرات تصول وتجول داخل مقاه مكتوب على جدرانها عبارة : ممنوع تناول المخدرات
ولأن تجارة المقاهي قد أتت أكلها وحققت غاياتها منذ زمن بعيد ، فإنه أصبحت تنبت اليوم كالزرع ، فتجد بين كل مقهى ومقهى ، مقهى ، كلها تتفنن في طرح الخدمات المتنوعة التي يعشقها جمهور الكرة أو من المبحرين عبر النت، ومنها أيضا تلك المتخصصة في ألعاب الحظ والقمار، والتي تستهوي فئات من اللاهثين خلف سراب الربح غير المؤكد. أما المقاهي الشعبية ، فلن تجد بها أنترنيت ولاهم يحزنون إلا فيما ندر، وتكفيك فيها قهوة سوداء أوبراد أتاي بالنعنع رفقة ثلة من الأصحاب أخذ منهم الزمن الصعب كل مأخذ ، لكن تجاربهم في الحياة أقوى وأشد
لابد إذن من تكثيف لجان مراقبة متشددة تهم البيئة و صحة المواطن وسلامته والأخلاق والآداب العامة داخل المقاهي ، كما أن هذا المنتوج التجاري الذي يدر أرباحا خيالية على العديد من أربابها ، يجب أن يقنن في اتجاه احترام القدرة الشرائية للمواطن المتواضع والمتوسط الدخل ، فلا يعقل أن يفعل رب المقهى ما شاء في جلد المواطن بأسعار مشروبات وحلويات لا تناقش ، والتي شهدت ارتفاعات مهولة في السنوات الأخيرة
ما أحوجنا إلى مقاه وصالونات أدبية تصنع الأفكار وتبدع وتطرب، وملء الفضاءات العمومية بما يفيد وينفع مثل ما تشهده دول عظمى، و تغنينا عن صخب مقاه الكرة والشات وتهراس الناب والغيبة والنميمة وكثرة السؤال والقيل والقال ومقاهي التيرسي ومقاهي المواعيد والشيشة والمسكرات ، فإن اليوم صعب وغدا أصعب …ولن يفلح فيه إلا من غنم
ففي الحديث المعروف والصحيح على شرط الشيخين ، خير الموعظة ..عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو
يعظه : اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك
عبدالفتاح المنطري
كاتب صحفي