تعد الانتخابات التشريعية في أغلب دول العالم العمود الفقري الذي تنبني عليه التحالفات الحزبية ، والتي تتجلى في أمرين اثنين أولهما يتمثل في الأحزاب التي احتارت واقتنعت بالاصطفاف إلى جانب الحزب الأغلبي ومن ثمة تشكيل حكومة ، وثانيهما وكما لا يخفى على أحد منا تلك الأحزاب التي اختارت التكتل في جبهة المعارضة .
تدل التجارب السياسية الدولية على تراكمات مهمة في ميدان تدبير الشأن العام ، تراكمات استطاعت من خلالها مؤسسات الدول الرقي بخدماتها إلى مستويات متقدمة ، جعلت المواطن لا يجد بدا من أن يتابع وبالتالي ينخرط في توجيه الخريطة السياسية الحزبية توجيها لا زال وإلى حد كتابة هذه الأسطر يساهم في تدوير عجلة التنمية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية بشكل يتماشى وطموحات المواطن ، ولا أدل على ذلك مما تشهده حاليا الساحة السياسية الأمريكية من تجاذبات بين مرشحي الرئاسيات من تحكم واضح للمواطن الأمريكي في رسم المعالم الأولى لمن سيترأس أمريكا في الولاية المقبلة ، إنه لوبي المواطن الأمريكي المتوحد داخل منظمات المجتمع المدني والتي تعد الفاعل الرئيسي في ترسيم المعالم الحقيقية لمن سيتولى إدارة شؤون المواطن الأمريكي، ونفس الشيء بالنسبة للانتخابات التي تجري على مستوى الولايات والتي لا تعدو أن تكون عبارة عن حكومات ذات صلاحيات واسعة وحقيقية تمكنها من الاضطلاع عن كتب بالمهام الكفيلة بخدمة قضايا المواطن الأمريكي، إن التجربة الأمريكية ، لا تبتعد عن نهج منطق اللعبة السياسية المعمول بها في مختلف بقاع المعمور، غير أن منطق اللعبة السياسية بأمريكا ليعد نموذجا فريدا من نوعه لا لشيء إلا لأنه ينبني على التباري والتنافس المبني على برامج انتخابية كنهها أقنعت أن لم تقنع المواطن الأمريكي.
قد يختلف معي بعض القراء فيما يرتبط باختياري للنموذج السياسي الأمريكي، وقد يذهبون إلى القول بأن التجربة الحزبية الأمريكية تحكمها اللوبيات الاقتصادية ، وبالتالي فالاختلاف محمود في هذا الباب، لا لشيء إلا لأنه وبالرغم من التحكم الواضح للوبيات الاقتصادية في صناعة القرار السياسي الأمريكي إلا أن قوامها هو اختيار المواطن الذي اقتنع أن يكون جمهوريا أو ديمقراطيا أو أن ينضم حتى إلى تلك الأحزاب الأمريكية الصغيرة.
إنه وفي إطار تسليط الضوء على السكوليط السياسي لما بعد سنة 2016 ، سنجد بأن المغرب سيعرف كذلك تنظيم استحقاقاته التشريعية على أبعد تقدير أواخر سنة 2016 وبالتالي سينضم إلى كوكبة الدول التي ستعرف التغيير في أنماط التدبير التشريعي، وفي هذا الباب وكما هو معلوم فإن الحكومة الحالية قد ولدت نتيجة للتجاوب السريع مع نبض الشارع المغربي التواق دائما لغد أفضل .
غير أن ما يثير انتباهنا في هذا الباب ، بأن رياح التغيير لم تقتصر فقط على التعديلات الدستورية والمؤسساتية العميقة التي عرفها المغرب إبان هبوب رياح الربيع الديمقراطي بل تعدته أيضا إلى ميلاد ثورات ناعمة داخل أحزاب وطنية كبرى مغربية من قبيل حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي، حزبان شهدا حراكا ديمقراطيا نتج عنه ضخ طاقات حزبية جديدة في دواليب التدبير الحزبي لهذين الحزبين ، غير أن الأمر لم يسلم من بعض المنزلقات التي يمكنني أن أصفها بالعادية في خضم حراك حزبي ديمقراطي غير مألوف في تنظيمين حزبيين تاريخيين كانا يقومان في تدبير مؤتمراتهما السابقة على الية التوافق والتي تم تعويضها في إطار الثورة الحزبية الناعمة بالاحتكام الديمقراطي لصناديق الاقتراع المباشر، إنه الاختيار الصعب من جهة والصحي من جهة أخرى الذي انخرط فيه هاذان الحزبان الوطنيان، كما يجب التذكير بالدور الرائد والفعال الذي قام به هذان الحزبان في تحريك عجلة الأغلبية الحكومية من جهة حزب الاستقلال أثناء اصطفافه في قوى الأغلبية خلال النسخة الأولى من الحكومة الحالية وحتى عند انخراطه إلى جانب أحزاب المعارضة أثناء اختياره الطوعي الخروج من الأغلبية ، مما يعطي لهذا الحزب خلال الفترة التشريعية الحالية صفة الحزب المخضرم ، أضف إلى ذلك ما يقوم به حزب الاتحاد الاشتراكي من حركية واسعة في إطار المعارضة إلى جانب حزب الاستقلال ، هذا الأخير الذي يمكنني أن أعتبره بمثابة أحد موجهي الحكومة الحالية وخاصة فيما يرتبط بالقضايا المصيرية والمؤثرة في جيوب المواطنين بصفة خاصة ، كما تجدر الإشارة في هذا الباب إلى ما عرفه الحزبان من ميلاد لا أقول تيارات ولكن مدارس للنقد الذاتي ، والتي لا يمكننا إلا أن نعتبرها تعبيرا واضحا على سمو النضج السياسي المبني على الأفكار وليس الأشخاص سواء بحزب الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي، حراك جعل حزب الاستقلال يستبق لم بيته وإعطاء انطلاقة حقيقية لسياسة بريسترويكا الزعيم علال الفاسي ، أمر تمخضت عنه مصالحة تاريخية تم تدشينها في يوم وطني يعتز به المغاربة جميعا ، إنه يوم 11 يناير 2016 والذي تزامن مع ذكرى تخليد الشعب المغربي لذكرى توقيع وثيقة الاستقلال يوم 11 يناير 1944 ، وأظن بأن نفس الشيء يحاك في كواليس البيت الاتحادي الذي يشهد حركية واسعة تسابق زمن الاستحقاقات التشريعية ولربما سنشهد في الأيام القليلة المقبلة تنظيم عرس مصالحة اتحادية يمشي في نفي سياق العرس الاستقلالي ليوم 11 يناير 2016.
قد يتساءل القارء عن ماهية سرد لوقائع الحراك الحزبي الاستقلالي والاتحادي في هذا الباب، والجواب جد بسيط ، لأنه من المرجح لأن تتبوأ القوى الوطنية في الاستحقاقات التشريعية المقبلة للمكانة التي تستحقها ، وهذا ليس بحكم قيمة ، بل تخمين كاتب وباحث في الشأن الحزبي ، يدل على أن التشكيلة الحكومية المقبلة ستعرف لا محالة تمركزا حقيقيا للأحزاب الوطنية ، لا لشيء إلا لأن هذه الأخيرة ليست وليدة اليوم ، ولكن لها تاريخ وقلاع تاريخية لا يمكن هدمها في أيام قلائل، هذا بالإضافة إلى أن مناضلي الأحزاب الوطنية قلما يهجرونها إبان المعارضة ، أحزاب يمكنني أن أشبهها بالزوايا التي تقوم على العهد والشعور بالانتماء ، المقرونين بتوريث السلف للخلف لمسارهم السياسي .
إن تخمينات الكاتب بخصوص التركيبة الحكومة المقبلة لا يمكنها أن تخرج حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي من حزمتها ، لا لشيء إلا لأن إعادة الثقة في صفوف مناضليها ستكون له نتائج إيجابية في الرفع من مشاركة المواطن في الاستحقاقات التشريعية المقبلة وبالتالي تبوأهما إلى جانب حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة صدارة النتائج التشريعية المقبلة ولكن بفارق بسيط ، الأمر الذي إما سيرجح إما سيوحد حزب العدالة والتنمية إلى جانب حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي من أجل تشكيل الأغلبية الحكومية وإما سيوحد بين حزب الأصالة والمعاصرة مع حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي من أجل تشكيل الأغلبية ، ذلك أن تكوين بيت الأغلبية أكبر من اختلاف وجهات نظر الأشخاص، ومن ثمة ماذا يثرى ستفرزه تشريعيات أواخر سنة 2016، هل ثالوث الاستقلال ، الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية أم ثالوث الاستقلال ، الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة ، وبالتالي فالناخب يبقى هو الفيصل في رسم معالم أحد الثالوثيين اللذين أفترض ظفرهما بالأغلبية الحكومية المقبلة.