يعتبر الجسد أول محدد للمرأة في المخيال الاجتماعي في مجتمعنا، فمهما اختلفت الطبقات والمستويات الثقافية والاجتماعية فهي غالبا ما تختزل فيه، إنه على حد تعبير مصطفى حجازي” مرغوب فيه”، من حيث هو وعاء للمتعة ومجال لتحققها، فكلما كانت أكثر جمالا وجاذبية كلما كانت فرص زواجها أوفر. مما يعني طغيان البعد الجنسي وتحولها إلى أداة للمتعة. وما يؤكد هذا هو إحاطة جسدها بمجموعة من الممنوعات، حيث ترتبط بالشرف الذي يختزل في العفاف الجنسي بعد الزواج وفي حفاظها على بكارتها قبله، فشرف الأسرة يختزل في ذلك الجسد، ومن هنا وجب أن يحفظ ويستر ما دام “عورة”، إنه مصدر إزعاج وقلق وخوف الأسرة ، مصدر إزعاج لها أيضا، وفي المقابل فالذكر مهما كان ذنبه فذلك لا يؤثر بشكل كبير على الأسرة وسمعتها وشرفها بقدر ما ينظر إليه أحيانا نظرة افتخار لأنه رمز للفحولة والرجولة. شرف النساء هذا يهم الرجال والنساء. إنه مصدر قوتهن لأنه مرغوب فيه وضعفهن لأنهن مطالبات بالحفاظ عليه، ومن هنا ترسم صورة للمرأة الأنثى من حيث ارتباطها مع ما سبق ذكره. ما يؤكد اختزالها في مفهوم الجسد.
وغير بعيد عن هذه الصورة، فإن الزواج في المخيال الشعبي يعتبر مصدر راحة للفتاة ولعائلتها،لأن ذلك القلق والخوف الدائم على شرفها في إطار ما يمكن تسميته ب”إيديولوجية العرض العائلي”، قد تم تجاوزه على الأقل ما دامت متزوجة. ومهما كانت قيمتها المادية والاجتماعية فإن مكانتها تركز بشكل أكبر على الإنجاب وخاصة إنجاب الذكور، لأن ذلك يحقق لها إحساسا بالرضا عن الذات. ومصدر فخر واعتزاز أيضا، وهذا ما يعزز القول بكون الذكورة قيمة مثمنة، إنها من هذا المنظور ملكية للأسرة – الأب قبل الزواج وملكية للرجل- الزوج بعده.
كما أن عمل المرأة كذلك يكشف عن هذا التصور الذي يحمله المخيال الاجتماعي، فمهما كانت وظيفتها ينظر إليها كامرأة. إنها تقترن بمعاني الانفعال، الضعف، والقصور…ويزداد الأمر حدة كلما كانت تزاول عملا يدويا، وكلما كان مستواها الدراسي متدنيا… وبقدر ما يشكل عملها مجالا لإثباث ذاتها بقدر ما يكون مجالا لاستغلالها. ويكشف عن صورتها في المتخيل الاجتماعي، تلك الصورة التي تساهم هي كذلك في رسمها وتحديدها. فالمرأة تقبل أن تشتغل وبأجر أقل من الرجل خاصة في الضيعات والمعامل والمحلات التجارية، وحتى في بعض الوظائف المرتبطة بالقطاع الخاص، ففي الظاهر يبدو أن الأمر يعبر عن مساواتها مع الرجل، فقد أصبحت تقوم بوظائف وتزاول مهنا كانت إلى عهد قريب رجولية بامتياز، فها هي تشتغل في المحلات التجارية والمقاهي وغيرها، إلا أن هذا التشغيل ليس بريئا في ذاته، بل إنها في الوقت الذي تشتغل فيه توظف كجسد لجلب الزبائن من حيث هي موضوع إثارة وأداة لها، حتى أن الأجرة التي تتقاضاها لا تكاد تذكر. هذا الواقع يرتبط بمواقف من المرأة من حيث هي جسد مرغوب فيه دون مراعاة لبعدها الإنساني.
وفي سياق محاولات المرأة انتزاع الاعتراف والمساواة مع الرجل تمكنت من شغل مناصب كانت حكرا على الرجل- لأسباب سياسية وايديولوجية- ومن بينها اشتغالها في مجال الأمن الوطني كشرطية مرور، رغم أن حضورها لا زال محتشما يقتصر على بعض المدن وبالتحديد وسط مركز المدينة. إلا أن ما يثير الملاحظة أنها غالبا ما تكون إلى جانب شرطي، وكأنها في حاجة دائمة إلى حمايته، وكأن شرعية وجودها وضمان أمنها مرتبطان بوجوده. أما حين يتعلق الأمر بالمرأة كربة بيت فإن ما تقوم به لا يعتبر عملا- من حيث أنه غير منتج، ونجد ذلك صريحا في التعبير الدارج “غير كاعدة فالدار” هذا النوع من الاشتغال هو “عمل لا مرئي” وغير معترف به من حيث هو مجهود شاق ومنتج، ما دامت المرأة تقوم به داخل البيت.
مراجع للتوسّع:
-زكي الجابر، المرأة وإشكالية النوع، الدورية المغربية لعلوم الاتصال، المعهد العالي للاتصال، الرباط العدد العاشر، 1999.
-المختار الهراس، إدريس بنسعيد، الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي: دار الطليعة ، بيروث، ط الأولى 1996.
-العربي وافي، مقاربة النوع والتنمية، السلسلة الشهرية: المعرفة للجميع ، منشورات رمسيس، الرباط، دجنبر 2008.
-مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الطبعة التاسعة 2005.
-حسن أمغو، صورة المرأة في المخيال الاجتماعي، مجلة فكر ونقد، عدد 102، يونيو 2009.
*كاتب وباحث جامعي
https://www.facebook.com/rachid.sociologie.7