أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

ذكريات في زاوية سيدي البصير

عندما كنت طفل لم أتجوز بعد سن التاسعة من عمري كنت  (محضار )  (طالب ) في هذه الزاوية، درست فيها سنتين إلى أن حفظت نصف القرآن، حيت كان جدي رحمه الله يريدني أن أحقق حلمه الأزلي في أن يكون أحد من أبنائه أو حفدته فقيه مسجد ويكون مصدر افتخار واعتزاز له وخاصة أنه كان من لكبار أعيان المنطقة، لا شيئ يقام في فالدوار بدون مشورته حيت كان الناس يستشيرونه حتى حينما يريدون تزويج أبنائهم وبناتهم وكان يشارك في اختيار العروس أو العريس احتراما له ورد جميل على جوده وكرمه مع الجميع، كان رحمه الله لا ينقصه سوى أن يكون أحد أحفاده يحمل لقب “السي فلان” واختارني أنا من بين أبناء أعمامي لأحقق له حلمه، وادخلني مسجد الدوار مند صبايا وبدأت في حفظ القرآن الكريم، إلا ان مشكل عدم استقرار الفقهاء ومغادرتهم الدوار كلما وجدوا مسجد أكبر من مسجدنا جعلني أن ابدأ دائما حفظ القرآن من الصفر كلما تغير الفقيه، وحينما بلعت سن السادسة ولم أتقدم في حفظ القرآن أخذني جدي إلى زاوية  (سيدي البصير ) حيت تتوفر ظروف استقرار الفقهاء وإمكانية متابعة الحفظ بدون انقطاع إلى ان ابلغ مبتغى جدي رحمه الله.
زودني بلوحة كبيرة جدا ومروعة جدا في آن واحد حيت تتسع لكتابة حزب كامل على واجهتيها وبجلاليب فاخرة، و  (بلاغي ) جديدة رفيعة، ولح علينا بقول لا زال منقوش في دهني إلى اليوم : “هاتين ريغ ادارغ يلي حتى نكنيوي ‘سي فلا’، هاتين أو ردارغ السي …إوا اك اركاز تغرت ” بمعنى أنه يتمنى ويريد أن يكون واحد من أحفاده يحمل لقب  (السي ) واختارني أنا من بين 5 أبناء أعمامي في نفس سني لما لاحظه في من نباهة العقل. بينما بقي الأخريين لرعي الغنم بنوعيه  (الماعز والشياه ) الكثير عندنا في ذالك القوت
ولم يتردد رحمه الله في متابعتي عن قرب ولسؤال عني والإتيان بالإتاوات إلى الزاوية تتمثل في زيت الزيتون وعسل النحل والقطانيات والقمح وحتى خشاب الطهي  (تيفرسا ) كان يجلبها إلى الزاوية عندما يطلب منه ذالك.
وكانت الزاوية في ذالك الوقت بدائية جدا غير معروفة، وبناياتها تتكون من بيوتات متناثرة مبنية بالحجر والتراب وبعضها من  (التابوت ) مع محراب كبير، وفيها قبة كبيرة يستقبلون فيها الضيوف، سقفها من لوح الأرز المزخرف، كانت تتسع إلى حوالي 50 شخص، كان يحضر إليها مجموعات من القرويين المحليين من بني موسى وبني عمير في سهل تادلة محملين بأكياس القمح ورؤوس الأغنام وخاصة بعد فترة الحصاد بقليل، كان الفقهاء و (المحضارة ) القدامى يقرؤون القرآن جماعة في الناس وفي بعض الأحيان ننضم اليهم نحن الطلبة الصغار ونشاركهم ترتيل القرآن رغم عدم حفظنا له بالكامل وحينا يشرعون في قراءة بعض الآيات التي لم أحفظها بعد أقرأ منها فقط بعض الكلمات المشابهة بشكل متقطع وفي بعض احرك فقط شفتايا والتظاهر بالقراءة واضغط على الحروف الأخيرة بصوت مرتفع لكي يبرز صوتي من بين المرتلين الكبار والصغار لأحظى بمكانة عند شيوخ الزاوية وينقلون ذالك إلى جدي ليسعد ويفرح بما أقوم به.
وبعد أن تنتهي حصة ترتيل القرآن يبدأ القرويين في ترديد أناشيد حفظوها عن ظهر قلب تسمى ب  (الحضرة ) ويحضر فيها الدفوف والأت الدق مربعة واحد يردد النشيد والأحرين يميلون برؤوسهم يمينا وشمالا وفوقا وتحتا مرددين  (الله حي  ! ! الله حي … )بصوت يرتفع تدريجيا إلى أن يستسلموا لهيستيريا جماعية ثم يقف هؤلاء من أماكنهم وايديهم وراء ظهورهم المقوسة وهما يلوحون برؤوسهم بقوة، ثم يخرج منهم واحد ويخطف إناء تسخين الماء  (المقراج ) المغلي ثم يبدأ في شربه ونفت البخار من فمه، إلى ان يتبعثر كل شيئ في تلك القبة ويعودون إلى الجلوس وكأن لا شيئ جرى ثم يبدأ الحديث عن الفلاحة والماشية وكنا نحن الصغار نقوم بالسخرة كجلب الجمر والنفخ على الماء وتوزيع كؤوس الشاي وقطع الشواء من القضبان و… وكانت حصة السخرة والجدبة تكرهني في البقاء في تلك الزاوية وبدأت أتمرد شيئا فشيئا واعصى بعض الأوامر وكانت طبعا تلك السلوكيات الغير “اللائقة” مني تصل إلى جدي وكان يأتيني ويؤدبني بالكلام واحيانا بالضرب لكن ما زادني ذالك إلا تمردا خاصة عندما أشاهد تلاميذ المدارس العصرية ينتعلون صناديل البلاستيك الجميلة والسروالي الطويلة وكانت تغريني اكثر تلاواتهم الملئية بالرسوم الجميلة …
وفي احد الأيام هربت من تلك الزاوية وذهبت عند جدتي من أمي ومكثت عنده أيام وهم يبحثون عني إلى وجدوني وحاول جدي ان يعيدني إلى الزاوية ولكنني قطعت له الشك باليقين بان مكاني ليس هناك، وإذا أزاد ان يكون في العائلة من يحمل لقب  (السي ) فعليه ان يسجلني في المدرسة العصرية ويشتري ليس سراويل طويل و (صندالة ) جديدة وأقمصة عصرية واستطعت أن اقنعه وكان ما أردته وبينما أنا أتقدم في الدراسة سنة عن اخرى كان جدي رحمه الله يتقدم أيضا في السن إلى بلغت سن البكالوريا وبلغ هو سن ال 100 سنة وحينما حصلت على اجازتي واصبح أهل الدوار يلقبونني بالسي … كان جدي قد أصيب بمرض ألزهايمر ولم يعد يتذكر سوى اسمي وخاصة عندما هاجرت ولم يكن يتعرف على أي احد من العائلة حيت كان يسألهم كلهم بما فيهم أبنائه  (يوس نمي اتكيت ) إلا أنا حينما عدت من المهجر أول مرة صعدت إليه في غرفته في الطبق الثالث وبمجرد أن لمست يديه وقلت له  (حنيني السلام عليكم ) بادرني وقال  ( ها م… اينو ايا ما ني توشكيت … ) واستغرب كل من حضر كيف لا يتذكر حتى أبنائه اخواني الذين يحيونه إلى غاية اربع مرات في اليوم وتذكرني أنا …
وبعد أربعة أيام من وصولي سلم الروح إلى باريها … والآن يتكرر نفي الشيء مع جدتي التي لم أراها مند سنتين وقد أصيبت أيضا بنفس المرض وتجاوزت سن المئة بكثير واصبح نحيفة جدا وفي وضعية التمدد الأبدي ولا تستطيع الوقف دون ان يساعدها شخصين والجميع يطالبني ان أسافر إليها لأراها قبل أن تموت لقدر الله وخاصة أنها تتذكرني وتسأل عني، لكنني أخشى ان تكون تنتظرني أنا فقط وبعدها سيقع لها ما وقع لجدي الذي انتظرني سنة كاملة. وأقول لهم دعوني هنا فلربما جدتي تنتظرني أنا فقط قبل ان تسلك لروح لربها وأفضل أن أبقى هنا على ألأقل إنني اعرف بانها حية ترزق ولا زالت بينكم وأنا مسرور وفخور بمقاومتها الرائعة للزمن ويكفي أنني أراها عبر الفيديو وأحاول التحدث معها عبر الهاتف رغم أنها لم تعد تستطيع السمع.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد