يقول معشر الصوفية الكرام :من أشرقت بدايته، أشرقت نهايته.وإذا كان هذا القول اللدني ينطبق على السالك في بحر التصوف ، فإننا قد نستلهم منه أيضا ما يفيدنا في تربية وتقويم النشء على قيم الشهامة والنبل والتسامح والكد والجد والحزم في اتخاذ القرارات المصيرية و التفاني في خدمة الوطن والمواطن من خلال ترويضه وتدريبه وتهيئته نفسيا وبدنيا على تحمل مسوؤوليته التاريخية في قيادة أسرة ومجتمع ووطن في المستقبل الواعد ، يوم يقومون مقامنا ويجلسون مكاننا وقد حصدوا ما حصدوا من دروس وتجارب وخبرات علمية نظرية وميدانية، فهم شباب المستقبل ورجال غد يكون بإذن الله أكثر إشراقا كلما زدنا في منسوب تضحياتنا من أجل بلوغ الهدف المنشود .من هنا ، دأبت العديد من المؤسسات التعليمية ببلادنا ، عامة أو خاصة ومنظمات تمثل النسيج الجمعوي المحلي في ترسيخ هذا المفهوم التربوي الذي يؤسس لصناعة جيل واع بمسؤولياته ،متمرن وقادر على العطاء وعلى خلق المبادرات في شتى المجالات الإبداعية، الفكريةمنها والرياضية والاجتماعية
ومن بين المؤسسات التعليمية التي برزت للوجود منذ أقل من عقد من الزمن ،واستطاعت مع ذلك أن تتبوأ بامتياز مكانة محترمة في هذا المجال في زمن قياسي ، مؤسسة الرسالة التربوية بسلا ، وذلك بفضل ماراكمته إدارتها وهيئة تدريسها وطاقمها في التدبير والاستشارة من تجارب وخبرات وتحصيل علمي على مدى سنوات طويلة وبمؤسسات تعليمية أخرى أيضا
فإلى جانب العملية التعليمية المشهود لها بالكفاءة والجدية المطلوبة ، هناك كم هائل من الأنشطة الموازية والأندية الثقافية والرياضية التي يستفيد منها أطفال المؤسسة،منها ماهو مؤدى عنه بصفة شهرية أو دورية أو سنوية ومنها ما هو متاح للجميع ويدخل في اختصاصات المؤسسة بغية توسيع مدارك الطفل على المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والرياضي للبلاد. ومن الأندية التي تزين بها فضاء المؤسسة ، نادي البيئة ، نادي حقوق الإنسان، نادي المواطنة ، نادي التربية الصحية ، نادي الصحفي الصغير، نادي الإبداع الأدبي ، وهي تهم السلك الإعدادي ، بالإضافة إلى نادي كرةالقدم وكرةالسلة الذي يلجه أيضا تلاميذ الصف الابتدائي..وافتتح منذ سنوات أيضا مركز للفنون واللغات الحية بالمؤسسة يشتمل على تلقين ألوان من فن الموسيقى والغناء والتدريب على آلياته و على رقص الباليه إضافة إلى تعليم فن التواصل والإلقاء باللغتين الفرنسية والانجليزية ، كما أحدث لفائدة تلامذة المستوى السادس ابتدائي ناد لتنميةالقدرات الذاتية، شعاره كماحدد له ،النجاح والتميز والقيادة والتنمية والتخطيط والتواصل.هي مؤسسة صغيرة في حجمها – كما قال ذات صيف مديرهاالأستاذ محمدالإدريسي السغروشني-لكنها كبيرة بمشروعهاالتربوي الذي ينتقل من جودةالمؤسسة إلى مؤسسة الجودة. ورب مطلع على صفحة المؤسسة على موقعها الفايسبوكي، سوف يندهش ولا شك لما تتراءى له تلكم الأنشطة والمبادرات العديدة التي توفر لأبناء المؤسسة وتنال بالطبع في معظمها استحسان آباء وأولياء أمورهم بشكل يثير البهجة والسرور في نفوسهم ،فيعبرون عن مشاعرهم الإيجابية تجاه ذلك
وما أثارني هنا أيضا بخصوص الأندية الثقافية والرياضية ،هو أنني تذكرت يوم كنا ندرس بالجامعة ببلد عربي شقيق ، وكان الطلاب من مختلف التخصصات يتهافتون على تسجيل أنفسهم بتلك الأندية التي توفرها الجامعة مجانا وتوزع عليهم الهدايا والمكافآت والجوائز النقدية والعينية لتشجيعهم على الإبداع والاستمرار في ذلك رغم كثرة المواد الدراسية والاختبارات الفصلية وفروض البحث ، وكنت قد شاركت بدوري في بعض تلك الأندية ، ومنها نادي الشعر ، كنا نحن ثلاثة طلاب فيه و يرأسنا يومها طالب بكلية الهندسة كان محبا للشعر والشعراء، وذات يوم تمت دعوة أعضاء نادي الشعر وهم نحن الثلاثة لزيارة نادي كبار أدباء إحدى المدن العربية العريقة على حساب ميزانية تشجيع الأنشطة الثقافية للجامعة بل المضحك أننا حملنا على متن سيارة فارهة وكأننا وفد من الدبلوماسيين الأفذاذ مع المقام الأبهى بفندق شيراطون..لماذا كل ذلك إذن وغيره تقوم به الجامعة والمؤسسات التعليمية المماثلة لها لفائدة الطلاب أو التلاميذ ،إنه الخروج من دائرة التلقين وغلبة الروتين وعبء الاستظهار وثقل الاختبار ،لتنفتح شهية المتعلم على فرص أكبر في الخلق و الإبداع وفي تفجير المواهب وصقل الموجود والمتوفر
أمر آخر له أهمية بالغة ،هو ما تقوم به المؤسسة كل سنة لفائدة تلاميذها،إذ أنها تنظم زيارة دراسية للمكتبة الوطنية للمملكة المغربية ،يقومون بالتجول في كل أروقتها وتسجيل ملاحظاتهم على ضوء الشروحات التي يقدمها لهم أحد الزملاء القدامى في التنسيق من أجل البحث وتوفير المعلومة للباحثين والصحفيين والمفكرين وهوالأستاذ الخلوق الخدوم العلوي سيدي المختار الإطار الكفؤ المكلف بالتسيير والعلاقات العامة بهذه المعلمة الثقافية الكبرى التي تعد مفخرة للمغرب وللمشرق ولإفريقيا،وقد أخبرت أن رؤساء دول وحكومات وقادة كبار يأتون دوما لزيارة هذه الياقوتة الفريدة التي نأمل أن تكون يوما ما محطة دائمة و”سكنا” غير
قابل للإفراغ في المستقبل لتلاميذ مؤسسة الرسالة التربوية ولكل تلميذ جاد بالمؤسسات التعليمية بهذا الوطن الغالي
ولأن الشيء بالشيء يذكر كما تقول العرب ، لابد من الإشادة بالنجاح الباهرالذي شهدته الـتـظـاهـرة الـريـاضـيـة والـتـربـويـة التي نظمت خلال هذه الأيام تخليدا للذكرى 41 للمسيرة الخضراء المظفرة بالمركب السوسيو-تربوي للقرب سعيد حجي بسلا بحضور رئيس المجلس الجماعي للمريسة- سلا والـسـيـد عـزيـز بنبـراهيم رئيس مقـاطـعـة ســلا وأعضاء المكتب المسير للمركب ومدير مؤسسة الرسالة التربوية بسلا الأستاذ محمدالإدريسي السغروشني ،حيث شاركت فيها مجموعة من الفرق الرياضية في عدة تخصصات منها كرة القدم وكرة السلةو الجودو وتنس الطاولة، وقد أبان أطفال المؤسسة عن انضباط نموذجي وعن روح رياضية عالية و حس وطني متميز على أنغام أناشيد المسيرة الخضراء بعد الانتهاء من العرض الكروي.وتشجيعا لهم على المضي في طريق ابتغاء العلم والرياضة ، تم تسليمهم واحدا واحدا شواهد المشاركة والتقاط صورفردية وجماعية لهم مع الطاقم المسير ، وهو ما يمنحهم بالتالي شحنة معنوية إضافية ترفع عندهم درجة الحماس وقوة العزيمة
وأحب أن أختم هنا بجزء من مقالة مهمة نالت إعجابي، عنوانها: “أنمـاط الدراما فـي مسـرح الطفل”، للدكتور جميل حمداوي ونشرت بمجلة “الرافد” التي تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة ، يقول فيها الكاتب عن الدراما التعليمية
“نعني بالدراما التعليمية مسرحة المناهج والبرامج والمقررات الدراسية لخدمة الطفل المتعلم وتحقيق الوظائف التربوية والتعليمية من وراء تقديم الخبرات التعليمية داخل الفصل الدراسي. ومن هنا، تنبني الدراما التعليمية على شرح الدروس وتفسيرها على ضوء آليات تنشيطية درامية كاستخدام الألعاب وتبادل الأدوار وتقليد الشخصيات. ويتطلب تدريس الحساب مثلاً استخدام مجموعة من الألعاب التمثيلية، بينما تستلزم قراءة النصوص المسرحية أو القصصية أو الشعرية من المتعلم تقليد الأصوات الغيرية نطقاً وحركة وتعبيرا وتشخيصاً. كما تحتاج مواد التربية الإسلامية إلى التمثيل الدرامي لتشخيص مجموعة من المواقف والقيم الأخلاقية قصد تعلمها واكتسابها وتمثلها
هذا، ويتحول المدرس في الفصل الدراسي إلى مخرج مسرحي من خلال توظيفه لخطاب تواصلي درامي، سواء أكان لفظياً أم غير لفظي عن طريق تشغيل اللغة المعبرة واستخدام الحركات الهادفة. بينما التلاميذ يشكلون الممثلين والمشاهدين الراصدين على حد سواء. أما القسم ومصطبته فهما بمثابة الخشبة الركحية، في حين تشبه المقاعد والطاولات والكراسي والصور المعلقة على الجدران ما يسمى بالتأثيث السينوغرافي
هذا، ويمكن «استخدام هذا النوع من المسرح التعليمي على أوسع نطاق لتقديم مختلف المواد والمناهج الدراسية، بشكل يربط الطفل بمدرسته…لما فيه من تشويق، وللدور الإيجابي الذي يعطيه للطفل في العملية التعليمية، بحيث يكون هنا التمثيل مستخدماً كطريقة للتعليم، أي إنه طريقة لتعليم الموضوعات في حين تكون الدراما الإبداعية والتمثيل التلقائي، هما الوسيلة التي يمكن عن طريقها أن يصبح الأطفال قادرين على استخدام التمثيل لا كوسيلة للتعليم، بل كإجادة التمثيل حتى يستطيع الأطفال فهم التاريخ والجغرافية، أو الاقتراب من الموضوعات العلمية أو تذوق القصص الدينية والأدبية، وبهذا الفهم نقترب من نوع آخر في المسرح المدرسي، هو مسرح المنهاج والذي يُعتمد فيه على الأطفال بعد إجادتهم للتمثيل بواسطة الدراما الإبداعية والنشاط التمثيلي للطفل أو التمثيل التلقائي لأنه بدون هذه المرحلة لايمكننا الإقدام على تقديم مسرحيات المنهاج»
ومن المعروف أن للدراما التعليمية وظائف كثيرة؛ حيث تساعد على توضيح الدروس وشرحها، وتذليل الصعوبات، والجمع بين التسلية والتعليم، وإفادة العقل وإمتاع الوجدان، وتحريك الطفل المتعلم ذهنياً ووجدانياً وحركياً لبناء دروسه اعتماداً على ذاته عن طريق المحاكاة والتقليد وتبادل الأدوار الدرامية.كما تساهم الدراما التعليمية في إبعاد الروتين والتكرار وتفادي رتابة الدروس التي تجعل المتعلم منفعلاً وسلبياً غير فاعل ولامساهم، كما تجنب المدرس فداحة الطرائق البيداغوجية التقليدية القائمة على التلقين والتوجيه.وتتم المسرحية التعليمية «من خلال استخدام المسرح أداة تعليمية مباشرة كالمسرحية الإرشادية التي استخدمتها الكنيسة لتفسير العقائد وشرحها للجمهور، وهذا ماشهدته العصور الوسطى حين وضعت العنصر التعليمي في خدمة الوعظ الإرشادي الديني. ولذلك، تعتبر مسرحيات الأسرار والخوارق المسرحية الأخلاقية مسرحيات إرشادية تعليمية لتفسير عقائد الكنيسة وشرحها للجماهير. ولقد كان الهدف من وراء ذلك هو تثبيت عقيدة الشعب الأمي وتقويتها…والمسرحية التعليمية هي تلك التمثيلية التي يكون الهدف الأساسي منها هو إدخال فكرة معينة في أذهان الجماهير، والعادة أن تكون فكرة دينية أو سياسية أو اجتماعية».وعليه، فلابد للمدرس أن يحول دروسه إلى مشاهد ولوحات وحبكات درامية داخل الفصل الدراسي أو خارجه، ويختار لها المكان والزمان المناسبين، وينتقي التلاميذ الذين لهم الرغبة في التمثيل والتقليد من أجل أداء المسرحيات ارتجالاً بعد أن يختار لهم النصوص التي تكون قريبة إلى نفوس الأطفال وميولاتهم وأهوائهم واتجاهاتهم النفسية، فتحقق لهم التسلية والمتعة والترفيه، كما تنمي مداركهم المعرفية والتعليمية.ولابد من تمثل البساطة في أداء الأدوار المسرحية، والابتعاد عن الغموض والتجريد واستبدالهما بكل ماهو تقريري مباشر قريب من عالم الأطفال ويكون حسب مستواهم العمري وحاجياتهم النفسية والاجتماعية
بابلو بيكاسو : كل طفل فنان ..المشكلة هي كيف يظل فناناً عندما يكبر
عبد الكريم بكار :عامل الطفل دائما على أنه شغوف بالقراءة ومحب للكتاب، بقطع النظر عن الواقع، وسوف يكون كذلك
عبدالفتاح المنطري
كاتب صحفي