مركز دراسات المعرفة ينظم ملتقاه العلمي الوطني 2في موضوع ’نظرية المعرفة وسؤال المنهج’ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال
محمد كسوة
ينظم مركز دراسات المعرفة والحضارة ومختبر المقاصد والحوار للدراسات والأبحاث الملتقى العلمي الوطني الثاني ، في موضوع “نظرية المعرفة وسؤال المنهج” وذلك يومي 16 و 17 نونبر 2016 بقاعة المحاضرات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال
الورقة المؤطرة لندوة “نظرية المعرفة وسؤال المنهج”:
«نظرية المعرفة» أو «الابستمولوجيا» مصطلح إشكالي مختلف فيه، ابتداء من تعريفه ومرورا بتحديد ميدانه وموضوعه وغايته، وانتهاء بعلاقته الملتبسة أو المتداخلة مع فلسفات العلوم. إن اختلاط وتداخل مفهوم «نظرية المعرفة» مع غيره من الحقول المعرفية وتراوح مدلولات المصطلح سعة وضيقا بين لغة وأخرى، وتباين وجهات النظر في تحديد موضوعاته مؤشر على عدم وضوحه الكافي وحاجته الدائمة الى تحديدات إضافية. وسبب ذلك يرجع إلى كون البحث في المعرفة ومنهجها والعلوم المتصلة بها، يعدّ بحثا جنينيا نسبيا. فقد كانت أول محاولة مستقلة لبحث نظرية المعرفة هي تلك المحاولة التي قام جون لوك (John Lock) 1632-1704م، في كتابه «مقالة في العقل البشري» الصادر عام 1690م. وعلى الرغم من أن لوك بذلك يعتبر المؤسس الحقيقي لنظرية المعرفة في العصر الحديث، إلا أن «نظرية المعرفة» كإشكالية ابستمولوجية لم تظهر بعد ذلك إلا بمدة طويلة. وأقدم تاريخ يقدمه الباحثون في هذا الصدد يرجع إلى عام 1832م، حيث أشار إلى هذا المصطلح راينهولد (Reinhold) في كتابه «نظرية ملكة المعرفة الإنسانية والميتافزيقا».
وقبل لوك كانت البحوث الخاصة بالمعرفة مبثوثة في ثنايا كل الفلسفات القديمة والقروسطية دون أن يفرد لها الفلاسفة دراسات مستقلة. وكان أهم ما أثاره القدماء من مسائل حول المعرفة يتركز حول العلم الحقيقي واليقين المسلّم به تسليما مطلقا. وقد ظل الحال على ذلك أيضا إلى فلسفة العصر الوسيط.
ولم تشذ الفلسفة الإسلامية في عصر ازدهارها عن هذا الخط، فقد بحث الفلاسفة المسلمون قضايا المعرفة في كتبهم، فأثار الفلاسفة المسلمون إشكالية نظرية المعرفة، وكيف تكتسب وما هي مصادرها؟ وما غاياتها ؟ ومن هؤلاء أبو يوسف الكندي {ت 256هـ} الذي تناول بالدرس طرق المعرفة وأدواتها (الوجود الحسي، والوجود العقلي، والوجود القدسي)، وأبو نصر الفارابي (ت 950هـ) الذي تحدث بتفصيل عن المعرفة أثناء معالجاته للنفس الإنسانية وقواها، والعلوم العقلية والإلهية. كما تناول أبو حامد الغزالي (ت 505ه ) بالبحث والتجلية في أعماله النقدية للكسب العلمي لبعض الفلاسفة طرق المعرفة، فحصرها في خمسة طرق: الحواس الخمس، وقوة التمييز، والعقل، والإلهام، والنبوة.
ثم ما لبثت نظرية المعرفة أن اتخذت وضعا جديدا يتفق واستقلالها بموضوعها الخاص، واهتمت بمسائل جديدة؛ مثل العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، وبين العقل والشيء الخارجي، وأثر كل منها في عملية الإدراك، وكذلك العلاقة بين الماهية والوجود، والنظر في حدود المعرفة الإنسانية، وأهمية الأدوات التي تحصل بها المعرفة، كالحواس والعقل والحدس والذوق، ومن ثم كانت أبحاث نظرية المعرفة الرئيسة هي:
– إمكان المعرفة: أي البحث في مدى قدرة الإنسان على تحصيل المعرفة؛
– مصادر المعرفة: الحواس والعقل وطريق الوحي والعلاقات التي تربطهم؛
– طبيعة المعرفة: وتقوم أبحاثها على بيان طبيعة العلاقة بين الذات العارفة والشيء المعروف؛
– قيمة المعرفة: وظائفها وحدودها.
وبالرغم من أن مفهوم المعرفة يمتد ويتشعب في مختلف حقول وأنساق الكسب البشري من فلسفة وعلوم اجتماعية وإنسانية وطبيعية وأديان وفنون وجماليات .. فإن الدارس يلحظ المكانة المركزية التي تحتلها القيم، ويحتلها الدين، في نظرية المعرفة ومناهج بنائها لحاجة الانسان الدائمة اليهما، وللنزاع والاختلاف الدائر فيهما وحولهما.
ولقد رصدت في فكرنا الإسلامي المعاصر لهذا الموضوع كتابات قليلة جدا، هي على أهميتها وجدتها لا تفي بإمكانات التأطير التراكمي المطلوب، فضلا عن كونها لم تنل هي بدورها من العناية ما تستحق، وذلك بسبب عدم احتلال موضوع المعرفة ومناهجها وعلاقتها بالعلوم والصياغات النظرية المتجددة .. محلها المطلوب في مدونات ومقررات البحث ولدى كثير من الباحثين. حيث يبقى الدرس المعرفي حاضرا بقوة أيا كانت مرجعية تناوله، بل الأصل أن يقوم هو بصياغة هذه المرجعيات متجها بها الى الأقوم والأكمل في تحصيل سعادة الانسان وترشيد سعيه في الكون ومع الكائنات.
وفي ظل التغيرات التي يعرفها المجتمع المعاصر وسيولة المعلومات التي تؤثت حياتنا فوق هذا الكوكب، تطالعنا المادة التحليلية بهيمنة نموذج الفصل بين القيم والدين والمعرفة لأسباب ترتبط بالنموذج الحداثي الذي قام على مبدأ عزل القيم والأخلاق عن العلوم والمعارف، مما أورث علوما مأزومة ابستمولوجيا. ومما يقتضى تجديد منهج النظر في الصلة الممزقة بين القيم والمعرفة. خصوصا وأن السند الديني في بناء المعرفة، في صفته التوحيدية الخاتمة، قد أثبت أنه قادر على تجاوز القطيعة بين المرجعيتين الدينية والعقلية، وعلى استيعاب المنظور الصراعي والتقابلي في نسق تكاملي تعارفي. وفي جملة على اقتراح منظورات معرفية ومنهجية بديلة للعلوم والقيم… في اتجاه نزع فتيل الخصومة والصراع الناشئين من سوء التداول التاريخي .
وبغية تجلية وتمثل التصورات الواردة أعلاه والاقتراب من الإشكالات المثارة ستدور مداخلات الملقى حول المحاور التالية:
المحور الأول: نظرية المعرفة: المفهوم والمسار والوظيفة.
المحور الثاني: نظرية المعرفة في الفكر الغربي .. إنجازات ومشكلات.
المحور الثالث: نظرية المعرفة في التراث الإسلامي .. إنجازات ومشكلات.
المحور الرابع: من أجل منهجية معرفية قرآنية .. خصائصها ومحدداتها.
المحور الخامس: نظرية المعرفة ومناهج البحث فيها ومداخل بناء المشترك الإنساني.
تجدون رفقته البرنامج التفصيلي لندوة ” نظرية المعرفة وسؤال المنهج”