كنت أظُنُّ أن “الطحن العنيف” للشهيد محسن فكري، سيُعَجِّلُ بغربلة ضمائر الساسة المغاربة، ويُخلِّصُها من صخور اللامبالاة، وأحجار الانتهازية التي أدَّت إلى تكلس وموت ضمير الكثير من السياسيين في المغرب، وبفضلهم تحولت السياسة إلى نصب واحتيال وسرقة ولصوصية.. بمسميات ومسكوكات لغوية خشبية مُضحِكة أكبرها أكذوبة “خدمة الوطن”.
كمْ كنْتُ واهِمًا، وأنا أتفاءل بأن الواقِعة الأليمة لشهيد الحسيمة، ستُوقِظُ ضمائر ساساتنا، وسيستشعرون هموم المغاربة الفقراء، ومآسي جيوش العاطلين، وآلام المرضى، وأنين المشردين، وسيلتفتون ولو بعجالة إلى أساطيل المشاكل الاجتماعية، التي تنتظر حلولا عاجلة.. مشكلة العنف التي تفاقمت لدرجة استخدام بعض رجال الأمن أسلحتهم لردعها، لقد استفحل العنف في المجتمع المغربي، العنف الأسري، العنف المدرسي، عنف الشوارع، عنف الملاعب، العنف تحول إلى طريقة للاحتفال بالانتصار واحتجاج على الانكسار.. لا حاجة أن نُعدِّد المشاكل التي نتخبّطُ فيها، التفكك الأسري، ارتفاع معدل الطلاق، العنوسة، أطفال الشوارع، المخدرات، أزمة السكن، أزمة التعليم، أزمة الصحة..
جراحات الوطن أصبحت كثيرة، وساساتنا يمتلكون الدرجة القصوى للوقاحة التي تجعلهم يُفَضِّلون مصالحهم التوسعية الإمبريالية، ولو على حساب انهيار الوطن.. كيف يمتلك هؤلاء الجرأة للمزايدات التافهة، والمستعمر الإسباني مازال يقتطع بأنيابه الذئبية جنَّتين رائعتين من فردوس وطننا الحبيب، مدينتي سبتة ومليلية، وكثيرة هي الجزر المغربية المُلْتَهمة، والتي لا يعرف الكثير من المغاربة أسماءها ومواقعها الجغرافية.
إسبانيا ولكي تُحوِّل المغرب إلى رجل مريض عاجزٍ عن استرداد ممتلكاته المسلوبة والمسروقة، يقوم هذا اللصُّ المحتلُّ بدعم مرتزقة البوليساريو، لقطع الطريق عن مجرد تفكيرنا في مستعمرات الشمال، مادامت الدسائس الإسبانية المحبوكة بمشاركة جنرالات الجزائر، لاقتطاع الصحراء المغربية فِعْلِيًا بعد اقتطاعها افتراضيا من الخرائط التي تُنْشر على المواقع الإلكترونية بالإسبانية والترجمة العربية المُستفِزّة، حيث تظهر تلك الخرائط أن سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين مع الحرص دائما على تكرار التسمية الوهمية “الصحراء الغربية” والجديد هو انضمام قادة موريتانيا إلى هذا الحلف الرخيص (مع احترامي للشعبين الشقيقين الجزائري والموريتاني)، لا داعي لتفصيل القول حول مؤامرات حكام الجزائر وموريتانيا بهدف زعزعة الاستقرار في المغرب، وإفشال قيام الاتحاد المغاربي، ومحاولة صرف النظر عن الأزمات الداخلية وإلهاء الشعوب عن مصيرها المشترك..
هذه بعض التحدِّيات الحقيقية الواقعية، الداخلية والخارجية، التي يواجهها المغرب، وهي مشاكل خطيرة تستدعي تكتل القوى السياسية المغربية وتشكيل جبهة قوية، لإخراج البلاد من النفق المظلم والمسدود، قبل فوات الأوان، أما الصِّبيانية التي وصل إليها المشهد السياسي، فتعبِّر عن ترفِ سياسي لا يُعيرُ أدنى اهتمام لمعاناة أغلبية المجتمع الساحقة المسحوقة بغلاء المعيشة، وحلم العيش الكريم، واستجداء السقف الأدنى لضروريات الحياة.
قبيل الانتخابات كتبت مقالا بعنوان ” الأصالة والمعاصرة تتحالف مع العدالة والتنمية والسبب؟؟” وقلت “إنَّ السِّياسةَ هي مجال المُمكن بامتياز.. فلا شئ مستحيل في السياسة.. سيما عندما تَبْلُغُ السياسة سِنَّ الرشد الفكري والنُّضج الوجداني.. وتتربع المصلحة العليا للوطن عرش اشتغال السياسيين، وتصبح خدمة المواطنين مدار فلك العمل السياسي..” وهذا الوعي السياسي العميق من شأنه أن يُفضي إلى تحالف بين قطبين متنافرين، كل منهما يشكل الطرف النقيض للآخر .. وما يُفرِّق بينهما هو الكائن.. أما يجمعهما فهو المستحيل.. لكن مصلحة الوطن العليا في لحظة تاريخية مفصلية يجب أن تجمع بين حزب العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، والابتعاد عن خطاب الشيطنة والحكم المُسبق على نوايا ومقاصد الغير، خصوصا وأن المصالحة تجبُّ ما قبلها، ونداء المُصالحة التاريخية ينبغي استثماره، لا الاستخفاف به واعتباره صرخة منهزم.. مادامت الانتخابات الأخيرة شهدت عزوفا كبيرا أشبه بالمقاطعة، فلا يحق لأحد أن يتبجّح بانتصار ساحق ماحق.
لقد سبق للسيد عبد الإله بنكيران أن اعتبر التحالف مع صلاح الدين مزوار خطا أحمرا، متهما إياه بالاستفادة من تعويضات غير قانونية عندما كان وزيرا للمالية، فضلا عن أحاديث عبد العزيز أفتاتي عن الفساد المالي للأمين العام للأحرار، غير أن الخط الأحمر سيتحول إلى مغازلة وردية ستنتهي بحصول مزوار على حقيبة وزارة الخارجية، بدل التهديد بورقة السجن التي كان يشهرها حزب العدالة والتنمية في وجه مزوار.
الآن يستجدي عبد الإله بنكيران خصوم الأمس لتشكيل حكومة وطنية، أحزاب كثيرة بمقاعد قليلة وشروط تعجيزية، بغرض تشكيل حكومة “مشوَّهة” أشبه بــ”دربالة البوهالي”.. حكومة ترقيعية، نسيجُها متمزٌّق، ووفاقها نفاقٌ هشُّ مليء بالمساومات والتوسلات، في حين أن التحالف القوي بين حزبين يمتلكان معظم المقاعد البرلمانية، سيشكل حكومة بأغلبية مريحة مع حليف واحد، وسيضعف الأحزاب الضعيفة أكثر وسيفضي إلى انقراضها، لأنها لن تقدر على تجسيد معارضة قوية، وهذه مسألة في غاية الأهمية، أيضا سيحمي الحكومة من المقايضة السياسية، أخطر إفرازات تعدد الأحزاب المكونة للحكومة، نظرا لكثرة مطالب الفرقاء السياسيين، ورغبتهم في الحصول على امتيازات كثيرة، مما سينتج كثرة الوزراء بدون جدوى، وبعد نهاية عُمْر الحكومة سيشرع معظمهم في صَلْب وجلْدِ بنكيران بتصريحات الأخونة والأسلمة، سيما وقد سبق أن اتهم العديد من أمناء تلك الأحزاب بنكيران بالداعشي وعميل الموصاد والاستبدادي..
التحالف القوي هو الذي سيمكن المغاربة من وضوح اختيار البرامج السياسية مستقبلا، بدل الشتات والتيه من طوابير أحزاب، لا يستطيع المواطن تذكر أسمائها فكيف بمعرفة برامجها، هذا إن كان لها برامج، وتمكين المغرب من تكريس منظور حِزْبِي ثُنائي على غرار الديمقراطيات الحية، في أمريكا، إنجلترا، أما التعددية الحزبية المشرذمة هي تعددية مزيفة، وهي من أكبر المشاكل حتى في الديمقراطيات الغربية كفرنسا، حيث توظف الأحزاب الصغيرة في “الابتزاز السياسي” أو القيام بفرملة وإجهاض أي ولادة محتملة للحكومة.
الإشهار الصِّبياني للفصل 42 من الدستور، الذي يعطي الحق للملك بتشكيل الحكومة، وكذا الفصل 51 بحلِّ مجلس النواب، وغيرها من الهرطقات والتأويلات المغلوطة، وتجاهل مقتضيات الفصل 47 من الدستور الذي يقول: “يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”، هي أحد مظاهر التعددية الحزبية المزيفة التي يجب القطع معها.
ختاما الملك يدعو الفاعلين السياسين إلى إعمال ضمائرهم، والحرص على أسبقية الكفاءات لا الولاءات، وجعل مصلحة الوطن والمواطنين فوق كل اعتبار، مصلحة الوطن لا تعرف استحالة التحالف بين القوى السياسية المؤهلة لإخراج المغرب من غرفة الإنعاش وإنقاذه من السكتة القلبية، بعيدا الخطابات المُتَهَافِته، وشيطنة الأشخاص، ومصلحة الوطن هي التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال، وأنا أرى أفواج المتسولين بباب المساجد، وأفواج المجانين يجوبون شوارع الوطن حفاة عُراة.. كفى من المتاجرة بالوطن باسم مصلحة الوطن.