مرة أخرى تجري رياح نوبل بما لا تشتهي تطلعاتنا ( ربما أقوام أخرى، تندُب حظّها هي الأخرى)، وفي كل مرة يأزف موعد التتويج، علينا أن نتذكر جيدا نجيب محفوظ، منقذنا الوحيد (رغم القيل و المقال) ، هذه المرّة ظاهرتنا سفينة نوبل، ورست في بلاد لم تزرها منذ (سنة 1993) ، لما توّجت الأمريكية الإفريقية “السوداء”، طوني موريسون، الثائرة التي لن تغفر أبدا : لمَ أحضروا جدها الأول مكبلا، إلى حقول القطن و الذرة في ولاية كارولينا الجنوبية.
هذه المرة لم يكن اللون أسود ، بل أبيض بوهيميا حالما خالص البياض، بوب ديلن ( اسمه الحقيقي روبر زيمرمان، وغيّر اسمه تيمنا و إعجابا بالشاعر الأمريكي توماس ديلن، كما أُشيع في بداياته ) القادم من مينوسوتا و عازف القيتارة الأمهر، لا يملأ شكل الأديب كما نتخيله، عشرات الدواوين ومثلها أو يفوق من الروايات و الدراسات النقدية المطروحة هنا و هناك.
الأمر هذا العام مختلف، فالمتوج قادم من عالم النوتات الموسيقية و السلالم الكبرى و الصغرى، المفرحة و الحزينة ، ومن أنواع الموسيقى ـ التي ربما يعدها بعض الناس صخبا ـ موسيقى الفولك والبلوز والغوسبل والروك، خليط من الموسيقى الأمريكية، التي كانت سبيل الرجل إلى رفض حرب فييتنام وإيقاع الحياة الأمريكية الصادم.
غير أن الموسيقى لم تكن الهوى الوحيد في مسار بوب ديلن، فالرجل ذو ذائقة أدبية شديدة الإعجاب بجماعة ” البِيت” (the beat Generation) ، وبالأخص زعيمها الشاعر الأمريكي جاك كيرواك، صاحب الإيقاع المباشر في الكتابة الشعرية، الذي يسميه “النثرالتلقائي”. كيرواك رافض راديكالي للقيم الأمريكية خلال خمسينيات القرن الفائت، ولجميع المواضعات المجتمعية، ومواجِها لجميع هذه التغيرات المتسارعة، سيجد كيرواك ( وجماعته) ملجأ في تدخين الماريجوانا والكحول ، وفي التدين على الطريقة البوذية و في الانحراف الجنسي.
بوب ديلن ( ذو الأصول اليهودية البعيدة) سيقضي طفولته الأولى بمدينة “هيبينغ” Hibbing المنجمية ( أكبر منجم مفتوح للحديد في العالم وقتئذ )، وفيها سيداعب المفاتيح الأولى للبَيان والقيتارة والهارمونيكا، في المحل الذي فتحه أبوه للمنتجات الإلكترونية المنزلية.
في حوار مع جريدة Chicago Daily News ، سيُقر بوب ديلن أن سبب اختياره للنسب “ديلن”، ليس إلا تحريفا إملائيا لاسم عمه ديليون Dillion، و أنه لا علاقة له بالشاعر توماي ديلن كما يظن المتتبعون.
سيصعد بوب ديلن سلم الشهرة و الموسيقا درجا درجا ونوتة نوتة، خاصة لما هاجر إلى نيويورك ولقائه بالمغني المعروف “وودي غاثري”، وفي مقهى ” وا” الشهير (Wha) سيحتك العازف المغمور بالنخبة البوهيمية لنيويورك، من كتاب و عازفين ورسامين ومغنين، وفي فبراير 1962 ، وعلى صفحات مجلة “برودسايد” (Broadside) المتخصصة في موسيقى الفولك، سينشر عازف القيتارة عشرات النصوص، موزعة بين الرفض المطلق لرياضة القنص والشيوعيين والشّجْب العارم لمقتل فتى “أسود”، بينما قتلته البيض خارج القضبان ينعمون بالحرية. هذا الميول البوهيمي لرفض الحياة الأمريكية المتوحشة والمحافِظة، سيمنح بوب ديلن شهرة المدافع عن الحقوق المدنية والحرية والمساواة ة الخصوصية الفردية.
في الثامن والعشرين من غشت 1961، سيكون أحد المشاركين في مسيرة واشنطن الشهيرة، ضد التمييز العنصري (200 ألف مشارك) ، التي سيُلقي خلالها داعية الحقوق الأمريكي مارثن لوثر كينغ كلمته المعروفة “لدي حلم” ، بعدها سيُعرف بوب ديلن كواحد من المنافحين عن الحق في الحرية والمساواة لينال جائزة “توم باين”) (Tom Paine عام 1963 ( بعدها سيَسخر من الجائزة ومن القائمين عليها ، مُعلنا أنه عصي على التتويج و التصنيف).
حياة الرجل مسيرة حافلة نحو البحث عن الذات والحقيقة، خلالها سيتزوج “سارة لاوندرز”، وسينكر أمر هذا الزواج بعد ذلك، ليلفّـه النسيان لمدة ثلاث سنوات بعد حادث دراجة كاد يودي بحياته ، ليعود إلى الأضواء معتنقا المسيحية، التي لم يجد فيها الخلاص الموعود.
في بداية هذه الألفية سيصدر “ألبوما” غنائيا، تأليفا وتلحينا ( حب وسرقة) سنة 2001، مزيج من موسيقى البلوز و الجاز، وفي شتنبر 2006 سيُتبعه بالنص المُغنّى ” أوقات عصرية” ، اعتبره المتتبعون الضلع الثالث لثلاثيته التي استهلها بأغنيته المشهورة “وقت ضائع للعقل” ، ثم سيلمع نجم الرجل لمّا يخصص له المخرج المعروف الأمريكي “مارتن سكورسيز” برنامجا وثائقيا ) لا تحكمَ) عن المناطق الخفية في حياة الرجل،.
وفي أبريل من سنة 2008 سيتوج بجائزة ” بوليتزر” للموسيقى، نظرا “لتأثيره العميق في الموسيقى الشعبية والثقافة الأمريكية، عبر نصوصه الغنائية ذات القوة الشعرية الخارقة “.( هكذا !)، بعدها بعام واحد (2009) سيصدر الرجل شريطا غنائيا “جميعا عبر الحياة” ،لتتوالى بعد ذلك إصداراته الغنائية ( اِبق معي لفرانك سيناترا ـ ظلال في الليل ـ الذي ندعوه نهارا ) . وفي ماي من العام الماضي سيظهر بوب ديلن في برنامج “دافيد ليترمان” الشهير ( لايت شاو) بعد أن اختفي عن أنظار التلفيزيون منذ سنة 1984.
وفي ليلة الثالث عشر من أكتوبر من السنة الجارية، سيتوج الرجل بالجائزة الأغلى في الأدب ، وليحصل على نوبل للأدب، نظرا لــ” كونه استطاع أن يخلق عبارات شعرية جديدة ، في نطاق التقاليد الكبرى لأغنية الأمريكية”.
قد يكون التتويج مُنصفا أو غير منصف، عادلا وواقعيا أم حالما بعيدا عن التقاليد المعروفة للتتويج الأدبي ، غير أن تتويج بوب ديلن يُعد نقطة فارقة في تاريخ هذه الجائزة، التي لم يسبق أن حظي بها موسيقيّ منذ إنشائها سنة 1901، ولعل ما يجعل الأمر مثار استغراب هو هذا السكوت المُطبق للمُتوّج، والذي ـ لد كتابة هذه السطور ـ لم يُظهر أي رد فعل، سواء بالقبول أو بالرفض، غارقا في جولاته الغنائية عبر العالم .
وحبر المقالة يكاد يجف، تناهى إلى أسماعنا أن الموسيقي المتوج، خرج عن صمته ، ليعلن ببضع كلمات باردة قبولة الجائزة، وأنه ربما يحضر حفل التتويج المرتقب (ربما)، وهو الشيء الذي أحرج كثيرا اللجنة المنظمة في ويجعلها تطرح التساؤل أكثر، عن مُتوّجين رفضوا الجائزة ولم يلقوا للجائزة بالا ( برنارد شو الإيرلندي وباسترناك الروسي و سارتر الفرنسي ).
عبد الحكيم برنوص