في جلستهما الأولى، أصغى قاضي التحقيق لقضيتهما بإمعان، وأمرهما بعقد جلسة صلح التزاما منه بضوابط المشرع، صرخت رقية بنبرة امرأة كادحة تضرب العرف والقانون عرض الحائط، انفجر صوتها الحاد داخل القاعة، وبالكاد يخترق جدران المحكمة، ربما كانت تنوي إيصاله إلى اللامكان، رماها زوجها بنظرات يائسة، وعلى وجهه تتطاير شرارات الموت، حاول إقناعها للعدول عن قرارها، لحفظ ماء وجه حب امتد بهما سنين طوال، انسحبا من القاعة، وحدث با لعربي نفسه بلهجة الرجل الشهم، وقال في ذاته:
– أحببتها أكثر من اللازم، صبرت على بعدها، وتوسلت مصاحبتها، أظهرت ضعفي أمامها مراراً، لا شك كانت تخونني، وفي أحسن الأحوال كانت تحب غيري…
سار خلفها ببطء، وبدأ يرقب اللحظة المناسبة للإعلان عن قرار جلسة الصلح التي أمر بها القاضي، أمام باب المحكمة غرس في قلبها سكينه، فلفظت أنفاسها الأخيرة، لقد ماتت رقية، وهي الآن طليقة في الغياب.
بينما كان يتجه صوب مخفر الشرطة، حدجه أحد المارة بنظرة ارتياب، وحرضه على الفرار، تفرس با لعربي في وجهه قائلاً:
عذاب السجن أهون من طعنات الغدر، اخبروا قاضي التحقيق أن جلسة الصلح قد انتهت، وإلى الأبد.
سمير أوربع