إن القراءة الأولية لقصيدة “ابن زنباع الطنجي” تعلن منذ خرجاتها الأولى أن الشاعر جعل من قصيدته وثيقة نفسية تعرف بحالته العاطفبة والوجدانية، من خلال تعلقه بصاحبته، وما تتصف به من سحر وجمال، يجعلان الشاعر مولوعا بها، غارقا في هواها، متمنيا وصالها في ظل جحيم البعد والصدود الذي يعيشه بغيابها. لكن هذه الصورة لا يمكن التسليم بها، ولا يمكن أن تمتلك مشروعيتها، إلا حين تتضافر كل مستويات النص على دعمها وتأييدها، و من خلال تفكيك المكونات الإيقاعية والمعجمية والتركيبية والدلالية، ثم إعادة بنائها .
توسل ابن زنباع بالتشكيلالت الإيقاعية القائمة على تفعيلة “متفاعلن”، التي تتصف بالطول وكثرة الحركات، وهي تفعيلة الكامل، الذي وصف بالرتابة والتكرار والهمود، وملاءمته لموضوع الحزن واليأس الذي يخيم على المناخ الشعري في القصيدة، وتحضر الترديدات الصوتية، وتكرار التقابلات التركيبية، فضلا عما وفرته القوافي المتشابهة من إيقاعات تراتبية تنتهي بالميم (المطعم / اعظمي / أرقم / الدم / اسهم …)، غير أن تفعيلة متفاعل لا ترد دائما صحيحة، إذ يلجأ الشاعر إلى بعض التغييرات الممكنة، فينقل بموجبها متفاعلن إلى متفاعلن، وذلك من خلال إقحامه لزحاف الإضمار (تسكين الثاني المتحرك).
إن الطابع الإيقاعي العام المسيطر على القصيدة اتصف بالهمود والتثاقل، بحضور الحقل الصوتي الذي تميز على المستوى العمودي بالجهر والغنة (حرف الميم).
إن التجربة الغزلية / الفخرية التي يرصدها الشاعر عبر البنيات الكبرى للنص توزعت على حقول دلالية، تراوحت بين الحقل الدال على الهيام والوصال، وآخر دال على الصدود والهجر، وتربط بين ألفاظها علاقات التكرار والترابط والتماهي، وترد بعض الألفاظ بدلالة إيحائية ورمزية موغلة في قاموس الثقافة العربية (مدعس / مخدم / حمير)، وتكرار ألفاظ (الحب / الدم / الهوى / إنسان …)، وهي أوصاف دالة على الشعور بالعزلة والتفرد خاصة في نهاية القصيدة، إذ ينحدر إيقاعها إلى منحنى التوسل والبكاء والتفجع، وهي أوصاف دلت على شوق الشاعر وحنينه لأصله.
إذا تأملنا جمل النص الشعري فإننا نسجل حضورا كتيفا للجمل الخبرية التي تفصح عن معاناة الشاعر وعذابه لوحده، أما عن الجمل الإنشائية فتأتي على الرغم من قلتها للتعبير عن رغبة ابن زنباع في الإنعتاق والخلاص، والتحول من منحنى اليأس الناتج عن النوى، إلى حالة ترقب لقاء بحجم الكون، يتطلع إليه المبدع بنزعة روحية، وبذات الصدد نسجل حضور الأفعال الدالة على زمن الماضي، أو زمن الشوق والحنين (شغل / أقام / جرى / فاضت / كان / أمرت / ملئت …)، وهو الزمن المسند لضمير الغائب والمخاطب (لهواك / ريقك / مقلتيك / كؤوسه / خماره / يسمه …) بصيغة المذكر المؤنت، و هي عادة قديمة في الشعر العربي القديم، ويحضر ضمير المتكلم الذي يحيلنا على الذات المبدعة (قلبي / فمي / غيري / علي / أعظمي / جوانحي / أماتني / يأسي / تلافني / …)
تنهل القصيدة صورها البيانية من الأساليب البلاغية التقليدية، كالتشبيه (البيت الأول والتاسع)، والمجاز (البيت الأول)، والإستعارة (البيت الثاني) …، إن البنية البلاغية الكبرى المسيطرة على النص هي صورة العاطفة والنوى، التي تنحدر من مستوى الغياب والصدود، إلى منحنى توسل الشعر الوصال والحضور.
إن ما يستفاد من مقاربة هذه المستويات المشار إليها سلفا أن القصيدة تجسد بحق الحالة العاطفية للشاعر المغربي ابن زنباع، عبر رؤيا شعرية فلسفية ممعنة في الحياة، رؤيا حالمة خاضعة إلى صراع وتقابل بين عوالم متنافرة من قبيل (الحياة ≠ الموت)، (البعد ≠القرب)، (الحضور ≠ الغياب)، (الوصال ≠ الصدود)، وعلى الرغم من هذا التنافر إلا أنها تؤسس داخل الخطاب لعالم واحد وهو عالم الإنسان أو الذات المبدعة.
بنية الإتساق والإنسجام في قصيدة لهواك في فمي لابن الزنباع الطنجي:
جاء في لسان العرب لابن منظور الإتساق من جذر وسق الذي يفيد الإكتمال والتمام، أما الفيروز أبادي فقد عرفه في قاموس المحيط قائلا : “وسقه يسقه”، أي جمعه وحمله، ومنه “والليل وما وسق”. أما من حيث الإهتمام العلمي فقد عني البلاغيون العرب بهذا المنظور عناية فائقة، لما له من أهمية في الدراسات اللغوية، ويسجل الدكتور ابراهيم خليل ذلك قائلا ‘ فالبلاغيون العرب اعتنوا بالكشف عن الترابط القائم بين سلسلة الأقوال المؤلفة لفقرة أو مجموعة أجزاء من العمل الأدبي…”
ويعد مفهوم الإتساق من المفاهيم الجديدة التي دخلت مجال النقد الأدبي، فهو يستند إلى المبادئ التي اخترعها علم اللغة، منذ أن بدأت المدارس اللغوية الحديثة في الظهور، وتبلورت على يد العالم السويسري دي سوسير، ثم تبلورت نظرية تحليل الخطاب بعد أفول مجد المدرسة اللغوية الإنجليزية، والمدرسة الأمريكية، ومن أبرز قضاياها قضية الإتساق والإنسجام.
ونقصد بالإتساق ‘الطريقة التي يحدث بها تماسك البنية الداخلية للنص، بترابط أجزائه وعناصره، وهو مفهوم دلالي يحيل إلى العلاقات المعنوية القائمة داخلة الخطاب. وتمنحه صفة النصانية”، ويشمل مفهوم الإتساق عدد من المنسقات كالإحالات، وأسماء الإشارة، والحذف، والإستبدال، والوصل، والاتساق المعجمي.
* إحالة نصية : والإحالة علاقة من العلاقات الموجودة في النص، فاللفظة لا تقوم مستقلة بذاتها، عن سائر المكونات المشكلة للنص، ومن أمثلة الإحالات في قصيدة ابن زنباع، الإحالة الخارجية، وقد قسمها علماء تحليل الخطاب على ثلاثة أقسام وهي : الضمائر وأسماء الإشارة وأدوات المقارنة، وتنقسم الإحالة إلى قسمين، الإحالة المقامية التي يمكن أن يحيل إليها خارج النص، والإحالة النصية التي نلمسها داخل النص، ومن أمثلة ذلك ما ورد على لسان الشاعر في قوله :
لهواك في قلبي كريقك في فمي *** غيري يقول الحب مر المطعم
فأدر علي بمقلتيك كؤوسه *** حتى يدب خماره في أعظمي
يا أيها القمر الذي إنسانه *** يرمي أناس للعيون بأسهم
ولعلهم تسمو بهم هماتهم *** أن يدركوا في الظبي ثأر الضيغم
تستهل القصيدة بإحالة نصية يمثلها ضمير المخاطب الذي يحيلنا على صاحبة الشاعر، وضمير المتكلم المفرد العائد على الذات المبدعة، نظرا لما له من ارتباط وطيد بالدلالات والبنيات الكبرى والكلية للنص، ثم يتدرج إلى ضمير الغائب في (كؤوسه / خماره / يسمه …)، وفي نهاية القصيدة ينقل الخطاب من ضمير الغائب المفرد، إلى ضمير الغائب بصيغة الجمع (يسمو بهم / هماتهم / يدركوا …)، قصد تصوير مصير الشاعر الذي هو الهلاك بغياب المتغزل بها، أو تماديها في صدودها.
وتحضر وسائل لغوية أخرى كالوصل بأدوات الربط (الواو / الفاء / لو / قبل / إذا)، وإسم موصول (الذي) لتعزيز الإتساق الدلالي للقصيدة، أما الإتساق المعجمي فقد تحقق بفعل الترديدات الصوتية، والصيغ الصرفية من قبيل (أسهم / أعظمي)، (المطعم / الأرقم )، (مبهم / مفعم) ، وتكرار الإشتقاق (الإنسان / إنسانه / أناسا)، (فاضت / فيض)، والحذف الذي ساهم في تسخير الطاقة التعبيرية للغة، إذ يعد إحالة قبلية، ومن أمثلة الإستبدال قوله في البيت العاشر ‘ لم أرمز / لم أتكلم ‘ وهو استبدال فعلي .
مظاهر الإنسجام :
ورد في لسان العرب أن المادة (س/ج/م) تدل على عدة معاني أهمها : سجم : سجمت العين الدمع، والسحابة الماء تسجمه سجما وسجوما: وهو قطران الدمع وسيلانه قليلا أو كثيرا. أما اصطلاحا فقد عرفه فانديك قائلا “الأبنية الدلالة المحورية الكبرى، وهي أبنية عميقة تجريدية، ويتحقق الإنسجام على مستوى تكامل البنية الكاملة للخطاب’، كما ينتج عن طريق الفهم والتأويل الذي يسنده المتلقي للخطاب، ويخضع إلى عدة مبادئ أهمها السياق والتاويل المحلي ومبدأ التشابه والأطر والمدونات والسيناريوهات، وبالعودة إلى قصيدة لهواك في فمي يمكن تحديد عناصر السياق كالآتي :
* المرسل : هو المبدع والشاعر ابن بياع الطنجي، طبيب وفقيه مغربي، تولى القضاء زمن المرابطين بطنجة، ويروي الفتح بن خاقان أنه كان عالما بالطب واضح المنهاج، كان ابن زنباع معجبا بالطبيعة وجماله، فوصفها في أشعاره، ويذكر انتصارات وبطولات الجيوش المرابطية في الأندلس.
* الموضع : بالعودة إلى كتاب النبوغ المغربي لعبد الله كنون، نجده قد أدرج القصيدة ضمن أغراض الغزل والنسيب، مما يفيد أن الشاعر قد خصصها للتغزل بصاحبته، وفي كتاب الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى لمحمد بن تاويت، فقد رأى أن القصيدة فخرية أكثر مما هي غزلية، إذ يفتخر الشاعر بأصله اليمني ‘قبيلة سليم” كما ادعى ذلك قبله بنو صالح وأبو عامر الأغماتي والقاضي عياض.
إن ما يستفاد من هذه القراءات، كون الشاعر سخر التغزل على امتداد أبيات القصيدة للوصول إلى الغرض الرئيس والمقصود، وهو الفخر والإعتزاز بأصله الحميري، يقول الشاعر :
وتلافني قبل التلافي فإنني *** من حمير وسيأخذونك في دمي.
فالأبيات التي جاءت على امتداد القصيدة قبل هذا البيت الشعري، تتضافر جميعها لتخدم غرض القصيدة الذي هو الاعتزاز بالأصول والشوق والحنين إلى موطن الشاعر.
* التاويل المحلي : تحفل قصيدة ابن زنباع الطنجي بطاقة شعرية تنقل موقفه من الحياة، وارتباطه الوطيد بمحيطه وبيئته، التي عرفت بالمواضيع الشعرية القديمة، كالمدح والوصف والهجاء والغزل والفخر، سيما وأن الشاعر عرف بنزعته الصوفية التي يمكن أن نلمسها في العلاقة القائمة بين لفظتي القمر و الإنسان، وهي العلاقة التي تحيلنا رمزيا إلى علاقة الخالق بخلقه.
* مبدأ التشابه : عند قراءتنا لقصيدة لهواك في فمي نصادف تطابقا بينها وبين نصوص شعرية أخرى، كقصيدة غزلية لأبي حفص الأغماتي، والتي هدف فيها إلى ما هدف إليه ابن زنباع من الفخر بالأصل اليمني. بقلم ذ:سمير اوربع
|
afterheader desktop
afterheader desktop
after Header Mobile
after Header Mobile
تعليقات الزوار