في زمن ضاعت فيه حكمة الأمهات،وغابت رجاحة عقولهن أمام أفكار بناتهن الضالات المضلات،وعجز فيه الآباء على السيطرة والتحكم لما جرى لفلذات الأكباد من وحشية واغتصاب،وماعانين من عذاب فأظهرن الجلد وأخفين الكمد.لا الأم تملك الوسيلة،والأب انعدمت لديه الحيلة،والإخوة الذكور بقوا حائرين بين حرارة المطرقة وسندان اللوم،ولاحق لهم في التدخل لما جرى ويجري للشقيقات على مرآى ومشهد من الشهود العيان.
حبل السرة انفضم،لما علم أن من وثق بهم خانوا الأمانة، واستبدلوا حزب الله بحزب الشيطان.إن نطق الابن قالت له الأم:”هذا الأمر لايهمك،وقال له الأب:”ابحث لك عن عمل،فأختك أفضل منك ،لأنها أكثر مالا، وأغزر دخلا،وأعز نفرا.وقديما قيل” من يطرق الباب يسمع الجواب”
…في زمن افتقدت فيه الصراحة وعوضت بالوقاحة،وطغى الظاهر على الباطن،فالضاحك مضحوك عليه،والباكي توجوه أميرا للغرباء.واليوم السعيد شقي بسعادته، والبريء متهم ببراءته،والكل في فلك يسبحون.والله يوم القيامة يفصل بين الفريقين فيم هم فيه مختلفون.
أصل الحكاية أني رأيت الفتاة تضع على رأسها الحجاب.وقلت في نفسي “هذا حارس الباب،فلاعجب ولاعجاب،ولاخوف ولا تخويف،ولا إرهاب ولاترهيب.فالمتحجبة من الممنوع المرغوب ،والمصون المطلوب ،وحمدنا الله على أن الحشمة مازال معمول بها،والحجاب علامة لها، وأن الفضيلة سارية المفعول ،والشرف عنوانها ،والبكارة دليلها،فأعددت العدة ليوم اللقاء وحضر جمعنا الأحباب والأشقاء. وفرحنا بالحجاب والمتحجبة وبالالتزام والملتزمة.
ونصحني الإخوان يوم الدخلة على العروس أن أقدم الرجل اليمنى ، وأقول اللهم بارك لي فيها، وأبعد الشيطان حتى لايشاركني فيها..وعملت بالوصية وتقربت من الصبية، وإذا بالباب مفتوح على مصراعيه ،فبحثت عن القطرة تلو القطرة ،فلم أجد سوى الحسرة تلو الحسرة، والندم تلو الندم،
وبحزن العريس الذي طعن في كرامته، قلت لها غاضبا:” يا أصل العفة والطهارة ،أيتها البعيدة عن الرجس والنجاسة،أين حقي من حقيقتك؟وأين دنياي من دينك؟ أين حقي الشرعي من شريعتك؟
فأجابتي ببرودة أعصاب:
” ياباحثا عن الدم والدماء،الدم في أنفي، وليس تحتي،والدم يغلي في رأسي وليس في فرجي،ويجري في عروقي وليس في قبلي.
قلت لها من الغيظ:
– يامتحجبة يامقنعة، من أخذ ماء وجهك؟ وأين ذهب حارس فرجك؟
فقالت:” إن الله كتب على كل فرج اسم ناكحه ومفتضه وهاتكه،فلا تكثر من القيل والقال،ودع عنك المحال،وآرض بما كان،ولاتفكر بما سيكون،فلكل شيء سبب،فدعك من العجب والندم إذا ماعرفت السبب،فالعبرة بما هو آت لا بما فات،لأن الموت فوت ،وإن أردت الدم فاذهب للبحر الأحمر تجد فيه غيك وغايتك،ودعك من هذا العي والحصر الذي لايبقي ولايذر،فاصبر إن الله ابتلاني بك، ليمتحنك عند اللقاء، ويجازيك على الستر يوم القيامة.ولا تسأل فأول السؤال كفر ،ولايهمك الدم،فالغالب مغلوب إذا أظهر الشر،والعبد معبود إذا لم يهتك السر،ولاتتحسر لزوال البكارة،فالعبرة ليست بالسبق، بل في الضيق،فالتائب تحلو معاشرته بعد التوبة،وقد أعفيتك من امتحان عسير،كله شر مستطير،ومايدريك أنك ضعيف عند الإيلاج،وتجهل استعمال المزلاج،عندها يصعب عليك الجواز،وكأنك تجهل كم من الملوك والعظماء وقادة العالم والفلاسفة فضلوا الثيب على البكر،وأثنى عليهم شعوبهم بجميل الذكر، وحسن الشكر،والثيب محمودة بصرف نظرها عن اللغو،ومحبوبة باللهو،وقلبها وعقلها لايعرفان السهو،أما البكر فكثيرة الشكوى،عرابة البلوى،إن لم يصبك من نارها أصابك من دخانها،وارحم ترحم ،واستر تستر،وإن رمت الإحسان وتجنبت الإساءة ،خلت الجنة وفزت بختم الشهادة والله على ما أقول شهيدة.
خالد عبداللطيف: كاتب وروائي.