أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

القرآن بين التأويل والتفسير

من الصعوبة بمكان تحليل الخطاب القرآني باعتباره دستورا للمسلمين،وبوصلة روحية توجه شعائرهم الدينية ومعاملاتهم الدنيوية.إذ منذ نزول سورة العلق أول مسارات الوحي،وصولا إلى آخر نزلت على الرسول(ص)،مازال كثير من المفسرين بدءا بالصحابة والتابعين لهم يتضاربون في فهم دلالة هذه السورة أو تلك الآية من القرآن.ولقد ظلت لغة القرآن نفسها عصية على فهم الصحابة أنفسهم والمقربين من نبي هذه الأمة،حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدرك هذا التعقيد فقال لهم:”إذا استعصى عليكم شيء في القرآن فعودوا الى الشعر الجاهلي”.

فالبرغم من فصاحة قريش وباقي قبائل الجزيرة العربية المتباهية بخطبائها وسجاعها وشعراء وعلماء لغتها والعالمين بأنساب العرب والروايات والتاريخ،فقد شكل القرآن لهم صدمة ثقافية ومعرفة خلخلت ثوابتهم وفككت وضعهم الاعتباري كدهاقنة في النحو واللغة والبلاغة والأدب والنقد،حتى أن أعتى شعرائهم كلبيد بن معمر سلم بقوة القرآن وقال:

ألا كل شيء ماخلا الله باطل* وكل نعيم لامحالة زائل.

وامتدت هذه السلطة الرمزية والفعلية للقرآن الى دخول أحد فحول الشعر الجاهلي للإسلام ويتعلق الأمر بحسان بن ثابت.وقول الآخر” لن أقول بيتا من الشعر بعدما سمعت سورة البقرة”.لكن فئة أخرى أرهقها هذا القرآن بإعجازه البياني ولغته القوية ومعانيه المحكمة،فلم تعرف لها خيارا لمواجهته غير القذف والتشكيك،فشبهوا الرسول(ص) بالساحر والشاعر والكاهن،بل ذهب بعضهم الى أبعد من ذلك وزعموا أن القرآن من تأليف محمد،مع علمهم أن الرسول(ص) كان أميا.والمرء حين يعجز عن تفسير ظاهرة ما يردها الى قوى خفية من الجن أو القرناء الذي يقوي هذه الظاهرة ويحفظها ليس إلا.

إن القرآن الكريم بكل ما أوتي من قوة على الصمود مواجهة الوقائع والأحداث التي أحاطت به،ظل معرضا لتفسيرات وتأويلات متعددة بسبب تعدد المرجعيات المختلفة التي حاولت تفسيره،تارة باسم تقديم خدمة للقرآن الكريم،وتارة تحت ذريعة تكييفه لوضعيات الحاكم أو لخدمة أغراض اديولوجية.

ولعل كتب التاريخ تذكر كيف حاول الخلفاء الأمويين وعلى رأسهم معاوية التعامل مع السور القرآنية بنوع من الانتقائية وتوظيفها توظيفا سياسيا،كما فعل معاوية مع الآية”إن الله يوتي الملك لمن يشاء” والحقيقة أن تأويل القرآن أخذ أبعادا كثيرة مع المفسرين الأقرب الى مساندة أهل البيت،والمتعصبين للشيعة بفرقها المتعددة،خصوصا الفرقة الغرابية التي كانت تردد أن عليا كان أشبه بالرسول محمد بالغراب من الغراب أو الذباب،ولامت جبيريل لأنه لم يميز بين الشبهين،وعوض أن ينزل القرآن على علي أنزله على محمد،وظلت هذه الرواية تحكم أحفاد علي الى اليوم.وفي القرن4 وبالخصوص في عهد المأمون الذي عني بالفلسفة اليونانية وترجمتها الى اللغة العربية،وبسب ايمان الكثيرين من الفرس وإتقانهم العربية أكثر من أهلها،جعل علم الآلة(المنطق) يطرح إشكالا كبيرا للفلاسفة المسلمين،خصوصا عندما ألح أنصار المنطق المهتمين لتفسير القرآن وتحليله على ضوء المنطق اليوناني،في حين تشبت مفسرون آخرون بدراسة القرآن لفظا( أي دراسة القرآن بناء على النحو العربي..)

لقد ظل ابن عباس أحد أهم المفسرين للقرآن الكريم،الذين يعتمد عليهم من طرف باقي المفسرين،وبذلك يكون تفسير ابن عباس أخذ شرعيته الدينية من الرسول صلى الله عليه وسلم حين دعا عليه الرسول دعوته الشهيرة” اللهم فقهه في الدين وعلمهم التأويل” وببركة هذا الدعاء لم يتوان ابن عباس عن شرح ما استعصى من الآيات والسور،بالرغم انه كان صغير السن غض الشباب،ومايزال الصحابة يتذكرون اختبار الرسول(ص) للصحابة عن معنى آية “شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء”وعجز الصحابة عن تفسيرها إلا أن ابن عباس فسرها كون  هذه الشجرة هي: النخلة.وعملية التأويل هذا خلقت حرجا لباقي الصحابة.وحين احتد الصراع بين المفسرين من المسلمين من له الشرعية في تفسير الخطاب القرآني ؟هذا الخلاف حسمته  الآية” لايعلم تأويله إلا الله والراسخون في  العلم” وبذلك أنيطت مهمة التفسير لعلماء الفقه والحديث والقرآن وباقي العلوم الشرعية والفقية.إلا أن هذا الحسم في تفسير القرآن لم يظل حبيس الآية،بل تجرأ المتصوفة انفسهم على تفسير القرآن وعلى رأسهم” ابن عربي” صاحب مصنف” الفتوحات المكية”

وكذا علماء البلاغة كعبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب” دلائل الإعجاز” وتتالت التفسيرات للقرآن من المشرق والمغرب،ولعل آخر بحث رصين قام به الراحل محمد عابد الجابري يحمل عنوان” تفسير القرآن” في جزأين.بالإضافة الى تفسيرات بعض المشارقة كسيد قطب في بحثه تحت عنوان” في ظلال القرآن”

والحقيقة أن التباينات والاختلافات في تفسير القرآن تعود الى معضلة منهجية مفادها أن الدين فسروا القرآن لم يفسروه كما وضعه الله بل كما فهمه الانسان،وعلى أساس هذا الفهم وقعت عدة انزلاقات في التفسير ووصلت لدرجة تبادل اتهامات بعض المفسرين بالتكفير والزندقة،كما وقع للمفكر المصري الراحل مؤخرا حامد أبو زيد،ووصل الأمر بإصدار فتوى من الأزهر بضرورة فصله وتحريمه عن زوجته.

لقد كان كتاب” مجاز القرآن” لأبي عبيدة مثار جدل بين أصحاب النزعة السماعية وأصحاب النزعة الاجتهادية العقلية” كما يقول أدونيس.وكان هدفه من هذا الكتاب أن يوضح مايشتبه على الناس في قراءتهم آيات أو عبارات قرآنية غريبة تتجازوز المستوى اللغوي العام.وهذا الهدف يتطلب إعمال الرأي والقرآن.

فعلماء الكوفة مثلا اختلفوا في تفسير القرآن وتحفظوا على بعض الأشياء انسجاما مع سلفيتهم الثقافية.مقابل علماء البصرة الذين كانوا يجاهرون بثقتهم المطلقة فيما يؤولون من آيات وسور.حيث كان تجاههم عقليا.

لقد ظل الخلفاء في عهد بني أمية بالخصوص يسمون مؤولي القرآن برأيهم ليسوا مجرد ذوي أهواء وملل فاسدة بل لأنهم بتفسيراتهم يشكلون خطرا وتهديدا حقيقيا للدولة وبذلك  ينبغي محاربتهم.

إن اشكالية تفسير القرآن وتأويله تظل مرهونة بتعدد المرجعيات المتعددة التي تحكم هذا المفسر أو ذاك لخدمة قضايا اديولوجية معينة.

 

 

                                                           خا لد عبد اللطيف/ كاتب صحفي.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد