هل أنت مسافر إلى مدينة مرّاكش ؟”، هكذا سألني سائق سيّارة الأجرة من الحجم الكبير بعد أن ألقى التحيّة.
و ما أن سمع كلمة نعم حتّى سارع إلى عرض خدمته إيصالي إلى المدينة الحمراء مقابل سبعين درهما و مدّعيا أن أسعار خدمات الحافلات ليست أقلّ من ذلك.
أمّا حين عبّرت عن رفضي اقتراحه بكلمة “بزّاف” والتي تعني أنّ هذا المبلغ كبير و مبالغ فيه ، استدرك قائلا إنّ ستّين درهما مبلغ مناسب و يزيد فقط بعشرة دراهم عن المقابل الذي تتطلّبه الحافلات لأداء نفس الخدمة ، و للتأكّد يمكنك أن تسأل “الكورسيي” ، و هو يقصد بذلك “المنظّم” .
قد يكون وجْه حديثه المتعلّق بسيّارات الأجرة قريب إلى الحقيقة ، و لكنّي أعتبر الوجْه الآخر و المتعلّق بأسعار الحافلات محاولة احتيال مكشوفة ، لذلك عبّرت لصاحبنا عن رفضي لخدمته جملة و تفصيلا و دعائي له بالتيسير و الرزق الوفير ، و حين أصرّ إصرارا و تساءل بمكر شديد إن كنت أعرف كم سيكلّفني اعتماد الحافلة للسّفر إلى وجهتي ، رميت ذكاءه بعزمي انتظار الحافلة دون اكتراث للتكلفة الماديّة التي أخبرته أنّي لا أعرف قيمتها ، لعلّه يفطن إلى أنّي كشفت محاولة احتياله ، لكنه لم ينصرف إلاّ بعد أن أعدت الدعاء له بالتيسير و الرزق الوفير أكثر من مرّة .
و ما لم يدركه ذلك الغبيّ ببديهة المحتالين الأذكياء أنّي لا أخوض طريق السفر هذا انطلاق من تلك المحطّة لأوّل مرّة ، بل فعلت ذلك لما يزيد عن ثمان سنوات بمعدّل مرّة في الأسبوع ، و حين تصبح وجها من شخوص مشهد الرّحلة الأسبوعي لا غرابة أن يسلّم عليك بحرارة بعد أن افتقدك خلال سنوات غيابك مستخدم في المحطّة الطرقيّة ، أو مساعد للسّائق أو بائع الأكلات الخفيفة الذي تعوّد أن تتناول غذاءك عنده أو يبيعك قنّينة ماء كلّ أسبوع .
و بالفعل كانت الحافلة في الموعد ، و كانت الرّحلة مكيّفة و التكلفة ميسّرة لم تتجاوز أربعين درهما و ليس كما ادّعى ذلك المحتال الغبيّ .
و كلّما كنت طرفا أو شاهدا على مثل هذه الوقائع ، أتساءل إن كان يستحيل أو يتعسّر علينا الاسترزاق دون كذب و دون احتيال ؟
و في المقابل ، هل يفترض بنا التسلّح في وجه الآخرين بسوء ظنّ سابق لنسلم من أذى و احتيال مفترض لاحق ؟