قصة
كنت مخطئا حين اعتقدت أنني وحدي،وكنت خائفا جدا من المجهول،ولاشيء يخيف الإنسان غير أن ينام وليس تحت وسادته درهم أبيض ينفعه في اليوم الأسود.تذكرت كلام أبي عن العرب كونهم أمة ادخار،وفي سري تذكرت مملكة النمل والنحل،وكمن استقرأ أفكاري قال لي مبتسما:”بل نحن أكثر ادخارا من تلك الحشرات الصغيرة” عادت بي الذاكرة للوراء حين كنت أزور منزل جدي،ومن غرفة مظلمة منزوية في آخر البيت،كانت أيادي جدتي تخرج السمن والعسل من قلل فخارية،وحين يحضر الضيوف تمتد نفس الأيدي لببت الخزين كما يسمونه وتستخرج الفواكه الجافة من جوز ولوز وفستق وشرائح لحم مجففة.
وفي نفس الغرفة المظلمة تنام قنينات الزيت البلدي التي تستعمل في أمور كثيرة.وكذا زيت الأركان والعسل الحر والزعتر البري الذي يجفف ويسحق ويخزن لمنافعه الكثيرة،والبصل الأبيض الذي ينشر في حصير أو صندوق لقدرته على المقاومة، وتوفره على مناعة خاصة تجعله محبوبا بين العائلات الكبرى، لأن طاجين اللحم تاجه البصل المدور الذي تنسجه أيادي الطاهيات الماهرات.أما الزبيب فتتوحد حباته الساخنة في قصاع الكسكس في عشق صوفي لامثيل له،وكلما استحضرت نعمة من نعم الماضي المدخرة إلا وتناسلت علاقتها بأرواح هي ملاذها الآمن، ومقرها الأبدي.
كادت نظرية الادخار أن تجرني إلى تشعبات كثيرة لولا دخول زبون لمكتبي من أجل انجاز عقد بيع،ولحقت به شابة في العقد الثاني تود انجاز وكالة.ومن الباب أطل شخص آخر يريد كتابة طلب طلاق للشقاق.ساعتها سرت دماء ساخنة في جسدي أنقدتني من قشعريرة قاتلة ومن يأس عدمي،وشك ماكر.كانت عيون الزبناء تنظر إلي مستسلمة إلى قدرها الذي ساقها عندي لعلي أستطيع انتشالها من مطبات ومآزق لاحصر لها،ضحكت في سري” ضعف الطالب والمطلوب” لكن في عز تذمري وإحباطي انبتعث من داخلي قوة هائجة تقول لي:”إنك ماتزال حيا وتصلح لفعل أشياء كثيرة وتستطيع مساعدة الآخرين بتحريك عقلك أمام مد البطالة وصدإ الشواهد التي خزنت في حقيبة قديمة بإحكام، بعدما لم تعد تجدي نفعا في وطن شرد مثقفيه ورمى بهم إلى الثلث الخالي.
وغير بعيد من مكتبي كانت ثمة نسور وعقبان تشحذ مناقيرها ومخالبها في انتظار الإجهاز والانقضاض على شيء في مكتبي،استشعرت رغبتها الخبيثة وبسرعة كتبت على واجهة المكتب الزجاجية”لايوجد شيء للادخار فقد أجهزت صقور الوطن على كل شيء”.
القاص: خالد عبداللطيف.