أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

في الزعامة العربية: الفحلُ والصعلوكُ

ما يُلاحظ في التاريخ العربي المعاصر هو أنّ الزعماء الذين استطاعوا أن يستأثروا بمحبّة الناس ويضمنوا ولاءهم ويحصلوا، تبعا لذلك، على شرعيّة لم يكتسبوها عن طريق صناديق الاقتراع، كما ترغب في ذلك النظم الديمقراطيّة، هم أولئك الذين كانوا مطابقين للأنماط القياديّة المتجذرة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة والراسبة عبر العصور في المتخيّل الاجتماعي العربي الإسلامي، ما يجعل من السياسة تعبيرة ثقافيّة بامتياز، قبل أن تكون شيئا آخر، ينبغي أخذها بعين الاعتبار اليوم عند طرح أسئلة معقّدة حول فرص نجاح التجارب الديمقراطيّة في العالم العربي.

تتعلّق الجماعة العربيّة والإسلاميّة، قديما وحديثا، بزعيمها. فتحبّه وتغدق عليه فيضا من العواطف فتمدحه حيّا إلى أن ترتقي به إلى مستوى الآلهة وترثيه ميّتا وتبكيه حتّى يُخيّل إليك أنّها تحيا بحياته وتموت بموته، فيه تلتمس خلاصها وبه تسكّن آلامها وتصبو إلى تحقيق أحلامها. مازال صغار المزارعين والحرفيين والمهمّشين اجتماعيّا، ممّن كانوا يُسمّون قديما بالدهماء والحشوة، يبحثون عن الخلاص في رجل فرد ما إن يلوّح لهم بإمكانية تحقيق مستقبل أفضل لهم حتّى تدغدغهم نشوة العثور على المنتظر الذي يتجدّد انتظاره في كلّ العصور العربيّة والإسلاميّة.

في كتابه”العرب والقيادة: بحث اجتماعي في مضمون القيادة عند العرب”(بيروت، دار الحداثة،1985، ص12) يعرض خليل أحمد خليل للمقاربة الاقتصادية التي استلهمها من نظريّة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر(Max Weber) التي تتمثّل”في النظرة الطبقيّة أو الفئويّة إلى بنية القيادة واعتبار كلّ سلطة تعبيرا عن قوّة إنتاجيّة مهيمنة، عن كتلة مصالح”بحيث يبدو القائد السياسي الباهر(الكاريزماني) زعيما لحزب ولكتلة اقتصادية اجتماعية تمثّلت فيه صورة القائد المحرّر”.

لا يختلف عاقلان في علميّة هذه المقاربة، بما في ذلك عند إجرائها في الحقل السياسي العربي الإسلامي المعاصر: جماعات سواء تدثّرت بالدين أو بالرابطة القبليّة أو بهما الاثنين أم اتّخذت طابعا مدنيّا، هي في الحقيقة كتل تصارع من أجل احتكار التجارة أو الأرض أو، بكلّ بساطة الغاز والنفط، أو في كلّ الحالات تريد أن تأخذ حصّتها من ثروات الأرض. غير أنّ هذه المقاربة، وحدَها، غير كافية لفهم بنية القيادة العربية التي تلعب فيها العوامل الثقافيّة دورا محدّدا في مجتمع مازال يعيش ماضيه أكثر من حاضره أو يعيش حاضره من خلال ماضيه. فلفهم بنية القيادة عند العرب لا بدّ من الرجوع إلى الوراء، إلى الأنماط القياديّة التقليديّة الموروثة حتى نفهم طبيعة انتظارات”الجماهير” العربيّة اليوم من قادتها وتمثّلاتها لهم وهي تمثّلات بعيدة كلّ البعد عن التمثّل العقلاني والتعاقدي الذي هو ركن أساس من أركان الديمقراطية. يكفي أن نعود إلى المصادر العربيّة القديمة حتى نقف على هذه الحقيقة.

في مفاخرة بين رجلين يتنازعان الزعامة وكلّ واحد منهما يتوق إلى سيادة قومه في كتاب”قصص العرب”(جمعها من المصادر العربيّة القديمة: جاد المولى، البجاوي، أبو الفضل إبراهيم، دار الجبل، بيروت،ج3، دت): يتنازع عامر وعلقمة الزعامة في حوار هو أشبه ما يكون بحوار متنافسين على الرئاسة اليوم، كلّ منهما يبرز خصاله ومثالب خصمه حتّى يستميل أكثر ما يمكن من الناخبين!”قال علقمة: واللّه لأنا خير منك ليلا ونهارا. فقال عامر، واللّه لأنا أنحر منك للّقاح وخير منك في الصباح وأطعم منك في السنة الشياح…فقال عامر أنا خير منك عقبا وأطعم منك جدبا… فقال له علقمة: واللّه إنّي لبرّ وإنّك لفاجر وإنّي لولود وإنّك لعاقر وإنّي لعفّ وإنّك لعاهر….فقال عامر واللّه إنّي لأنزل منك للقفرة، وأنحر منك للبكرة، وأطعم منك للهبرة وأطعن منك للثغرة”(ص105-106).

يتّضح من خلال هذا التفاخر أنّ خطوط صورة الزعيم في المجتمع القبلي مشكّلة من موضوعات أساسيّة وهي شرف النسب

يتّضح من خلال هذا التفاخر أنّ خطوط صورة الزعيم في المجتمع القبلي مشكّلة من موضوعات أساسيّة وهي شرف النسب (أنا خير منك عقبا) والكرم(الإطعام- نحر الإبل) والشجاعة(أنا أنزل منك للقفرة) والعفّة مقابل العهر والخصوبة، أي القدرة على الإنجاب، وهي موضوعات لا يمكن فهمها إلّا بإرجاعها إلى جذورها الاجتماعيّة: إنّها خصال تلبّي احتياجات الجماعة العربية، فكفالتها ورعايتها تتطلّب من الزعيم أن يكون شريف النسب، أي يتمتّع بشرعيّة الدم التي يستمدّها من أسلافه وتخوّل له الهيمنة للحفاظ على وحدة الجماعة وأن يكون كريما يجود بماله خاصة في السنوات”الشياح” التي تعرفها البيئة العربيّة، لا يدّخر جهدا لإطعام غيره وتغذيتهم، ممّن هم في حاجة إلى ذلك: الفقراء والمساكين الذين بقوا إلى حدّ يومنا هذا يحنون إلى هذه السلطة الرعويّة الأبويّة العطوفة وأن يكون شجاعا قادرا على حماية الجماعة بالقوّة، حمايةً لأفرادها بعضهم من بعض وحمايةَ الكلّ من العدوّ الخارجي في مجتمع قبليّ وصحراوي تتصارع فيه القبائل حول السيطرة على الماء والأراضي الصالحة للزرع والضرع، وأن يكون عفيفا طاهرا بعيدا عن الفجور لكي يصون عرض الجماعة وشرفها، ساهرا على احترام أفرادها لأعراض بعضهم البعض، وأخيرا القدرة على الإنجاب، أي الخصوبة، وهي تكتسي طابعا رمزيّا لكونها تحفّ بمفاهيم قبليّة كمفهوم الرجولة والفحولة والقدرة الجنسيّة.

فلا يُعقل، حسب التصوّر القبلي، أن يكون الزعيم غير قادر على المساهمة في استمرار النوع وإنتاج أكثر ما يمكن من البنين خاصة الذكور منهم فرسانا يذودون عن القبيلة ويحمونها وفي نفس الوقت قادرا على سياسة الجماعة والسهر على حياتها. فعدم تمتّع المرء بالأبوّة العائليّة يجرّده بصفة آليّة من التمتّع بالأبوة السياسيّة[لذلك سخر التونسيون من أهل البوادي والأرياف من بورقيبة في أشعارهم الشعبيّة لما تفاخر أمامهم في التلفزيون في خطبة شهيرة بكونه لم ينجب إلّا طفلا واحدا حاثا إيّاهم على التخفيض في الإنجاب والاستجابة لسياسته في التنظيم العائلي].

بيد أنّه من الواضح، أنّ قيمتي الكرم والشجاعة تمثلان قطب الرحى في التصوّر البدوي العربي للزعامة.

ويجسّدها حسب ما ورد في التاريخ العربي القديم شاعر الصعاليك وزعيمهم عروة بن الورد الذي انتفض على رأس جماعة من المعوزين الفقراء ضدّ النظام الاجتماعي والاقتصادي المهيمن، فكان يخرج بأقويائهم، فيغير ثمّ يوزّع الغنائم على مَن أغار بهم، وعلى مَن تخلّف عنه من المرضى والضعفاء أيضا(انظر، يوسف خليف، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، مصر، دار المعارف،ص324). كانت جماعة الصعاليك تطلق صراحة على عروة صفة الأب، بكلّ ما تحمله هذه الصفة من معاني الحنوّ والحماية. تتماهى هذه الجماعة في شخصية زعيمها تماما كما يتماهى الطفل في شخصية أبيه.

فالصعاليك إذا ما أصابتهم السنة أتوه”فجلسوا أمام بيته حتّى إذا بصروا به صرخوا وقالوا يا أبا الصعاليك أغثنا”

فالصعاليك إذا ما أصابتهم السنة أتوه”فجلسوا أمام بيته حتّى إذا بصروا به صرخوا وقالوا يا أبا الصعاليك أغثنا”(المرجع نفسه،الصفحة نفسها) فيستجيب لندائهم ويسمّيهم عياله، فيعطف عليهم ويشاطرهم فقرهم ويقتسم معهم الغنائم على قدر المساواة بينه وبين كلّ صعلوك منهم. فصفة الأبوّة التي أطلقتها جماعة الصعاليك على زعيمها، إنّما تستمدّ مدلولها وحيويتها من واقعها الاجتماعي المتردّي الذي دفعها إلى الاستغاثة برجل وجدت فيه مواصفات القائد المثالي الذي جمع بين الكلمة والسيف وجرّدهما معا ضدّ هؤلاء الأغنياء الذين احتكروا التجارة والمال في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، وكنزوا الذهب والفضّة ولم ينفقوها في إغاثة ضعيف أو مسكين، فلم يجد مَنْ له همّة من هؤلاء سبيلا للارتزاق ومقاومة الحيف الاجتماعي إلّا أن يعلن التمرّد وأن يقف متربّصا بالقوافل التجاريّة الكبيرة التي كانت تمرّ بالصحراء العربيّة ذاهبة من مكّة أو عائدة إليها لسلبها ونهبها، أو تعويرها كما يقول العرب القدامى.

ولقد عبّر عروة بن الورد عن الخلفية الاجتماعيّة التي قادت حركته إلى أن تسلك مسلك الإغارة والنهب والقتل المشروع في نظرها، لكونه يوفّر لها الحقّ الطبيعي في الحياة الذي حرمه منها أقلّية من الأغنياء البخلاء الذين أعلنوا العقوق، عقوق الأغلبية الفقيرة، يقول عروة:

لعلّ انطلاقي في البلاد ورحلتي وشدّ حيازهم المطيّة بالرحل

سيدفعني يوما إلى ربّ هجمة يدافع عنها بالعقوق والبخل

وبقدر ما يدافع عروة عن مصالح جماعته، يدافع عن قيمة الكرم البدويّة وما يحفّ بها من قيم التضامن”نصرة الضعيف وإغاثة الملهوف مقابل قيمة البخل الموغلة في الفرديّة والأنانيّة التي يتّصف بها خصومه كما يدافع عن قيمة الشجاعة التي ترتبط بها ارتباطا عضويا، فلا يمكن أن نتخيّل رجلا كريما دون أن يكون شجاعا والعكس بالعكس كما أنّه لا يمكن أن يوجد البخل إلّا في شخصية جُبل صاحبها على الجبن.

وخلاصة الأمر، فإنّ الثقافة العرببة إلى حدّ يومنا هذا،ما زالت تمثّل أرضية خصبة لإعادة إنتاج الأنماط القياديّة التقليدية: الفحل والصعلوك، علما وأنّ العصر قد تغيّر والشجاعة على سبيل المثال صارت اليوم شجاعة تكنولوجيّة، فيمكن لزعيم أو رئيس دولة عظمى وهو في الأصل جبان لا يستطيع أن يخرج في الظلام الدامس وحده(وهي علامة الشجاعة بالنسبة لأطفال البوادي العربيّة) أن يبطش بقائد عربيّ يتحلّى بكلّ القيم الفروسية التقليديّة للعصور الوسطى: فحل وصعلوك ويبطش به من السماء بالطائرات النفاثة والصواريخ قبل أن يحاصره شريدا ومتعبا ومعزولا فينقضَّ عليه ويعبثَ به وبصورته وبالأحلام أو الأوهام التي نسجتها له جماعته، ثمّ يفتك به.


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد