كم تكون المسافة القانونية بين سيارة معالي الوزير وسيارة معالي الشعب ؟
احتدم النقاش مرة أخرى بصورة رهيبة وسط رواد الفايسبوك وهم في غالبيتهم قادة الرأي اليوم إلى حد ما بدون منازع ، بل هم الشعب نفسه إذا لم نبالغ ، ويجب أن يضرب لهم ألف حساب في كل تصريح أو قرار قد يضر بمصلحة البلاد والعباد ، ومنهم اليوم مع دوران العقارب ضد الساعة، من يدعو لمقاطعة التصويت في سابع أكتوبر القادم في ظل انعدام الفوز بأغلبية مريحة من لدن حزب واحد فقط ليشكل الحكومة لوحده دون الحاجة لطلب المعونة من أحد غيره
:وعلى كل حال، وإلى ذلكم الحين ،نردد ما قاله الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد في معلقته الجميلة
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ..ويأتيك بالأخبار من لم تزود
:أما شعب الفايسبوك ،فيبدو أنه متشبث بأبيات معلقة شاعر آخر أكثر جرأة وحزنا وقلقا، عمرو بن كلثوم
أَلاَ لاَ يَعْلَـمُ الأَقْـوَامُ أَنَّــا… تَضَعْضَعْنَـا وَأَنَّـا قَـدْ وَنِيْنَـا
أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا… فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَـا
وَنَحْنُ الحَاكِمُـوْنَ إِذَا أُطِعْنَـا… وَنَحْنُ العَازِمُـوْنَ إِذَا عُصِيْنَـا
وَنَحْنُ التَّارِكُوْنَ لِمَا سَخِطْنَـا… وَنَحْنُ الآخِـذُوْنَ لِمَا رَضِيْنَـا

أعود إلى أصل الموضوع الذي ازدحم به الشارع الفايسبوكي هذه الأيام وصار حديث المجالس على أرصفة المقاهي وداخل المدارس والجامعات ووسط المعامل والشركات وفي كل الملتقيات والتجمعات البشرية، وسرح كالنار في الهشيم ، وهو التصريح الكبير الشأن بتفضيل امتطاء المسؤول الحكومي لسيارة المرسيديس “كلاص” بدل سيارة الشعب مثل الداسيا ، ذلك أن الوزير الداودي – كما جاء في المداخلة – كان يستعمل سيارته العادية ، فلا يعرفه رجال الدرك ،مما يعرضه للتوقيف والمساءلة من قبلهم ، وألا تظنون معي هنا- إخواني القراء ،أخواتي القارئات – أن مثل هذا المشكل يمكن حله بمذكرة وزارية بسيطة من بضعة أسطر مرفقة بصور الماسح الضوئي/السكانير, تعمم على سائر رجال الأمن والدرك لإبداء هالة من الاحترام الواجب لمعالي الوزير الفلاني أو الوزيرة الفلانية، وهو(هي) يركب سيارة عادية في بلد يقرون بفقره واشتد عليه الخناق من حيث العجز في الميزانية .إنها بالفعل لمفارقة عجيبة وغريبة ، دول صناعية كبرى بيننا وبينها في مؤشر الغنى والتقدم والتحضر سنوات ضوئية ، وتجد رؤساء أوأعضاء حكوماتها يركبون البيسكليت أو السيارات ذات التكلفة المنخفضة وهم الذين يصنعون أفخم السيارات وأعظم المركبات والطائرات والآلات الضخمة (السويد وغيرها) أو يمتطون القطار أو وسائل النقل العامة مثل يا أيها الناس دون أدنى مركب نقص ،ويؤدون بالتالي واجبهم الوطني بكل مسؤولية ونزاهة واعتبار لكرامة الشعب الذي انتخبهم لتدبير شؤونه العامة
سيارة المرسيدس هذه سبق أن أقر بسعرها الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية السيد إدريس الأزمي الإدريسي ،في ثاني ظهور له ببرنامج ” في قفص الاتهام” بميد راديو قبل حدوث المسيرة الكبرى لأساتذة المستقبل يوم الأحد 24 يناير الجاري، إذ قال ساعتئذ على أن من حق الوزير أن يستعمل سيارة الدولة التي لا يتجاوز سعرها 45 مليون سنتيم ، وأن طبقة من المجتمع المغربي تتجول بسيارات أفخم من ذلك وأغلى سعرا ،فهل المواطن العادي والمتوسط إذن وهو الممثل لغالبية المجتمع قد يستوعب مثل هذا الكلام ، وهو يعلم أن بلاده لا تتوفر على إمكانيات هائلة من الموارد المالية ،وما يثار حول الوضع الاقتصادي الراهن الذي تعيشه بلادنا على أنقاض ما تبخر ومضى من خيرات البلاد . وهنا ، وفي ذات السياق ، أشار عندها بذات البرنامج ،الصحفي رضوان الرمضاني إلى قول تصريح السيد بنكيران في بداية الولاية الحكومية الحالية بأن من يتقاضى سبعة آلاف درهم في الشهر ، لا بد له أن ينساه ، أي أنه لن يستفيد من أي دعم للدولة بعد رفعه بصندوق المقاصة جزئيا أو كليا مثل السكر، المحروقات، الدقيق ، والغاز إن حصل ذلك (الوزير الوفا نفى الزيادة في السعر وقذف بجمرة قنينة الغاز في وجه الحكومة المقبلة مباشرة على الهواء من على قبة البرلمان ،لما صرح بجرأة كبيرة “حتى تجي الحكومةالقادمة أولا تزيد تغرقها كاع”، حيث أضحى المواطن العادي والمتوسط يتخوف من زيادات قادمة في أسعار مواد أخرى بعدما نفد صبره أو كاد في المطالبة برفع الأجور في ظل الموقف المتصلب للحكومة، وهنا وجبت الإشارة إلى أنه وبمناسبة بدء مناقشة مشروع إصلاح قانون التقاعد للصندوق المغربي للتقاعد في اللجنة بمجلس المستشارين ، يلتمس من فرق المعارضة بمجلس المستشارين بما لهم من أغلبية عددية ،وفي حال فشل الحوار الاجتماعي ،أن يقترحوا على اللجنة إضافة مادة تقر بزيادة 600 درهم في معاشات متقاعدي القطاع العام للفئة التي تقاضى معاشا يقل عن جوج فرنك ( 8000 درهم )،والتي قررت للموظفين وللسادة الوزراء حفاظا على قدرتهم الشرائية بأثر رجعي ابتداء من ماي
2011 والتى حرم منها متقاعدو القطاع العام في عهد حكومة عباس الفاسي آنذاك ، علما بأن المتقاعدين الذين يفوق معاشهم 8000 درهم سبق لحكومة السيد بنكيران أن زادتهم عبر الاحتساب الضريبي ابتداء من يناير 2013 ،ووصلت نسبة هذه الزيادة إلى 850 درهم لمتقاعد يتقاضى 13000 درهم في الشهر.وفي ظل هذا الواقع المؤلم للطبقة المتوسطة الدنيا والطبقة المحدودة الدخل ،وحفاظا على السلم الاجتماعية وتخفيفا من حدة الاحتقان الاجتماعي والتوتر الطبقي, ليس أمام النقابات إذن إلا رفع سقف المطالب إلى أعلى عليين من أجل إجبار الحكومة على احترام موازين العدالة الاجتماعية والأجرية منها على وجه الخصوص بين كافة الفئات النشيطة و بين فئات المتقاعدين ، فالكل قد ضاق درعا بثمن القفة ،وتدهور مؤشر المعيشة أصبح سيد الموقف حسب آخر إصدارات المندوبية السامية للتخطيط . وبخصوص متقاعدي أقل من جوج فرنك الذين يساهمون بدورهم في تنشيط الاقتصاد الوطني وأداء الضريبة على القيمة المضافة وضرائب أخرى وتحمل كل الزيادات في الأسعار السابقة واللاحقة أمام معاش جامد بدون حراك ، يجب عليهم -مكرهين لا أبطالا- أن يطالبوا بحقهم في 600 درهم المعلومة قبل كل شيء عبر توجيه ملتمس إلى السادة النواب لطرح سؤال مباشر على الحكومة على لسان فريق نيابي من المعارضة بمجلس المستشارين أوالذهاب قدما إلى القضاء لإنصافهم كمتضررين من تدهور قدرتهم الشرائية وعدم استفادتهم من الزيادة العامة في الأجور والمعاشات ، وذلك باسم جمعية أو جماعة منهم،بل يكفي فقط فرد واحد ليرفع دعوى ضد الدولة المغربية حتى يستفيد بعده كل المتقاعدين بناء على نص قرار المحكمة ،وهذا مكسب حقوقي وحق دستوري لكل مواطنة ومواطنة تعرض للحيف والضرر من قبل الحكومة، وتأكيدا لما سبق ،قال السيد الأزمي بذات البرنامج الإذاعي أن موارد الدولة تعتمد على الجبايات بحوالي 90 في المئة(الموظفون على رأس القائمة وفق تصريح رئيس الحكومة الأخير) ،بالإضافة إلى الفوسفاط ، وأقر بأن الميزانية ذات إمكانيات محدودة ، وأن كثلة أجور الموظفين مرتفعة، ثم رد على ما أثير حول امتيازات الوزراء في الراتب والمعاش ، وصرح بأن راتب الوزير هو 57000 درهم أو أزيد قليلا -منهم 113 وزيرا يتقاضون معاشاتهم أو لذوي حقوقهم مدى الحياة وبصفة قانونية- مذكرا بالأمل في أن يعاد النظر في مسألة معاش الوزير ، ومما أعجبني هنا، اقتراح الرمضاني بأن تخصص للوزراء حافلات صغيرة للنقل المزدوج تكون بالطبع أرقى وأليق بسمعة الوزير ، تقل كل وزير إلى مقر عمله أو محل سكناه ، وهي فكرة جيدة لرفع الضغط عن جانب من مصاريف التنقل الفردي ، كما نوه في هذا السياق الصحفي الحداثي المختار الغزيوي ممثل النيابة العامة في البرنامج بتنقل وزراء سويديين على متن دراجات هوائية حفاظا على المال العام.ولن يفوتني هنا أن التذكير بعدد الوزراء في دول متقدمة بأوروبا وآسيا مقارنة بعدد سكانها الكبير ، حيث لا يتجاوز العدد عندهم في الغالب 30 ،معظمهم من الكفاءات الشبابية ونصفهم من النساء ، مقابل ما يقرب الأربعين عندنا لمجموع ساكنة لا تتعدى 35 مليون نسمة.الجميل في ذلكم السجال ، أن تطرح فكرة أن يكون وزراؤنا مثلنا ، يعيشون عيشة عادية مثل منتخبيهم ، مادامت البلاد غير ذات موارد ضخمة ، مرتهنة إلى القروض الأجنبية التي سيؤديها وفوائدها أبناؤنا إلى أجل مسمى في المستقبل عبر فرض ضرائب جديدة أو زيادة في نسب أخرى.وقد سبق أن اطلعت عبر شبكة النت على نماذج مثالية مستحضرة للضمير المهني ولحس التأدب والعفة مع الذات ومع الشعب من داخل حكومات وبرلمانات دول صناعية رائدة في أوروبا ، حيث تمت محاسبة وزيرة ونائبة على اقتناء اضطراري لعلبة سيجارة و فوط صحية لدم الحيض من مصروف المالية العمومية ، فقدمت استقالتها وهي تعتذر للشعب على ارتكابها لهذا “الخطأ الجسيم” ، كما أن نفقة التغذية خلال يوم العمل يؤديها عضو الحكومة من جيبه ، ويمتطي الحافلة والترامواي والميترو مثل جميع الناس ، وقد يحتسي قهوة بمقهى عمومي وإلى جانبه دراجته الهوائية أيام السبت والأحد . لماذا هم هكذا يعملون ويتصرفون ، ونحن نخالفهم في كثير من المظاهر والالتزامات المجتمعية ؟
تذكرت قصة الحجاج وسعيد بن جبير،المشهورة : بمالي وسعيد بن جبير ،مالي وسعيد بن جبير ..إذ أنه ورد أنه لما قتل وليّ الله ، الصوّام القوّام ،محدث الإسلام وفقيه الأمة سعيد بن جبير على يد الحجاج ،استجاب الله دعاءه بأن لا يسلطه على أحد بعده ،فثارت ثائرة في جسم الحجاج بعد قتله بشهر أقل أو أكثر ، فأخذ يخور كما يخور الثور الهائج ،ثلاثين يوما كاملة ،لا يذوق طعاماً ولا شراباً، ولا يهنأ بنوم، وكان يقول: والله ما نمت ليلة إلا ورأيت كأني أسبح في أنهار من الدم، وأخذ يردد: مالي وسعيد بن جبير ،مالي وسعيد بن جبير ،إلى أن زهقت روحه
والحجاج هذا الذي اشتهر بالتسلط والظلم ، قدم الأعمال الجليلة للإسلام والمسلمين في أكثر من مجال ، فهو الحافظ لكتاب الله المتمكن من بيانه وأحكامه والمحب له ،وهو من أمر بتشكيل المصاحف وتجزئة القرآن المنسوبة إليه، ورغّب الناس في اعتماد قراءة واحدة، فأخذوا بقراءة عثمان بن عفان(رضه)،وكان الحجاج يختار ولاته من ذوي القدرة والكفاءة، ويراقب أعمالهم، ويمنع تجاوزاتهم على الناس. وقد أسفرت سياسته الحازمة عن إقرار الأمن الداخلي والضرب على أيدي اللصوص وقطاع الطرق ، وكانت إصلاحاته عظيمة، ولم تشغله الفترة الأولى من ولايته عن القيام بها، وشملت هذه الإصلاحات النواحي الاجتماعية والصحية والإدارية وغيرها؛ فأمر بعدم النوح على الموتى في البيوت، وبقتل الكلاب الضالة، ومنع التبول أو التغوط في الأماكن العامة، ومنع بيع الخمور، وأمر بإنشاء الجسور وصهاريج لتخزين مياه الأمطار، وأمر بحفر الآبار في المناطق المقطوعة، ومنع هجرة أهل الريف إلى المدن. ومن أعماله الكبيرة بناء مدينة واسط بين الكوفة والبصرة، واختار لها مكانا بين الكوفة والبصرة والأحواز لتكون عاصمة الخلافة، فجعل القسم الشرقي منها لسكن الجيش الشامي حتى لا يفسده العراقيون، والقسم الغربي جعل فيه دوائر الدولة.وازدهرت في عهده الفتوحات الإسلامية بعد إخماد الفتنة، إذ كان يرسل الجيوش المتتابعة، ويختار لها القادة الأكفاء،حيث فتحت بلاد ما وراء النهر وانتشر فيها الإسلام مثل بخارى وسمرقند ومساحة فتوح قتيبة بن مسلم الباهلي وحده في عهد الحجاج ، تبلغ 40 بالمائة من مساحة الاتحاد السوفييتي السابق و33 بالمئة من مساحة الصين الشعبية في الوقت الحاضر. وسكان المناطق التي فتحها في بلاد ما وراء النهر وتركستان الشرقية ضمن الاتحاد السوفييتي والصين لا يزالون مسلمين حتى اليوم، ويعتزون بالإسلام ديناً، هذا فضلاً عن فتوحات باقي قادة الحجاج، وباقي ولاة بني أمية ببلاد شمال إفريقيا ونحوها.وبعث الحجاج بابن عمه محمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند، وهو شاب عمره 17 سنة..كان قائدا عظيما موفور القدرة، نجح خلال فترة قصيرة لا تزيد عن 5 سنوات في أن يفتح مدن وادي السند (باكستان حالياً)، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في فتح قنوج أعظم إمارات الهند التي كانت تمتد بين السند والبنغال، فأجابه إلى طلبه وشجعه على المضي، وكتب إليه أن «سر فأنت أمير ما افتتحته»، وكتب إلى قتيبة بن مسلم عامله على خراسان يقول له: «أيكما سبق إلى الصين فهو عامل عليها».
وأخيرا هذا الحجاج الذي اشتهر بالشر أكثر من شهرته بالخير ،كان يقرأ القرآن ويتدارسه كل يوم وليلةولم يكن يقرب الزنا ولا الخمر ، بل توفي وفي “حسابه البنكي” آنذاك 300 درهم فقط حسب العملة الرائجة زمنئذ.فلله في خلقه شؤون ،والله ورسوله أعلم بسر خلقه وبما كان وسيكون، فاللهم ارزقنا حسن الخاتمة
عبدالفتاح المنطري
كاتب صحافي