أطلس سكوب
أطلس سكوب موقع اخباري مغربي
afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

امتحانات الباكالوريا : لم ننس فضائح الأمس

المسلك سعيد

عندما نتأمل كرونولوجيا امتحانات شهادة الباكالوريا و حتى بعض الامتحانات الإشهادية الجامعية للعشرين سنة الأخيرة بالمغرب ، نستشف من خلالها – حكومة و شعبا – كباقي شعوب و حكومات الدول المتخلفة ، أننا قد تعودنا على ابتلاع الفضائح الكبرى بكل سلبية تامة passivité دون اكتراث و لا استحياء .

نستحضر على سبيل الأنموذج و المثال – لأن الأمثلة ما أكثرها ببلدنا العزيز- فضيحة كلية العلوم بمراكش و تسريب مادة الاقتصاد أواسط التسعينات من القرن الماضي ، و نستحضر فضيحة نفس الكلية سنة 2014  بتسريب مادة الإعلاميات ، ثم عملية تزوير نقط بعض الطلبة  ” المحظوظين” بكلية الحقوق و العلوم الاقتصادية ابن زهر بأكادير ( 45 طالب) ، ثم  فضيحة تسريب بعض مواد الباكالوريا سنة 2006 ، فيما سمي وقتئذ ب “فضيحة مكناس المدوية” ، قبل أن تتسع الرقعة الجغرافية لفضائح التسريب لتطال المدن الكبرى الأخرى كالبيضاء و الرباط العاصمة ، و آخر الفضائح ” الشوهة الكبيرة ” للسنة المنصرمة مع تسريب مادة الرياضيات ، مما شكل ضربة قاصمة لسمعة شهادة الباكالوريا الوطنية، ليس فقط لكونها تعتبر حلم عشرات الآلاف من التلاميذ الذين يجعلون منها مدخلا أساسيا لاستكمال دراستهم العليا أو سبيلا للبحث عن آفاق مستقبلية جديدة ، و لكن ، لكونها أيضا تشكل تشويها لسمعة أمة ووطن . و نحن نعلم اليوم، أن وسائل الإعلام الحديثة تنشر غسيل الفضائح من هذا النوع بسرعة البرق في شتى بقاع العالم.

لقد تعودنا على هذه الفضائح كما قلت، حتى انطبق علينا البيت الشعري للمتنبي :

فصرت كلما أصبت بسهم         تكسرت النصال على النصال

و ها أنا فما أبالي بالرزايا        لأني ما انتفعت بأن أبالي .

و بالموازاة مع “رزايا” التسريب هذه ، تمتد خياشيم أخطبوط الغش  لتنتشر بشكل مرعب يجعل من مدارسنا اليوم مرتعا خصبا  بل  و مستنقعا آسنا لطحالب الميوعة و الاستهتار . و لا داعي أن نذكر بالإحصائيات المرتبطة بالظاهرة بشكل تفصيلي. فكل سنة تسجل حوالي 30حالة غش على الأقل بكل أكاديمية جهوية تتراوح بين الهاتف النقال و الوثائق المستنسخة و تطابق الأجوبة عند التصحيح ( 400 حالة تطابق في الأجوبة بالدار البيضاء و منها أجوبة مرشح أصبح في الانتخابات الأخيرة  مستشارا يمثل فئة عريضة من المواطنين بإحدى المجالس كما تدوول ذلك على صفحات التواصل الإجتماعي ، و أمثاله كثيرون)!!. ناهيك عن حالات مذهلة للتفنن في الغش حسب تقارير مراقبي الإجراء المرفوعة إلى اللجنة الجهوية المعنية بالأكاديمية ، منها على سبيل المثال ضبط  “حرز” بطول ثلاثة أمتار بمدينة سلا ، جعل صاحبه – كما أشرت إلى ذلك في مقال سابق – يدخل كتاب جنيز للأرقام القياسية . إنه العبث ! لا بل إنه الواقع المر ، و الذي حاول وزراؤنا الذين تقلدوا مسؤولية تسيير القطاع حجبه عن الأنظار كمن يحاول حجب الشمس بالغربال : فالمالكي أشار إلى أن ” أيادي خفية تسعى إلى ضرب مجهودات الحكومة التي يسيرها حزبه للنهوض بخطط الإصلاح” ، أما الوفا ،  فيقول حرفيا : ” المدرسة المغربية بخير و مستوى تلامذتنا في المباريات بالخارج خير دليل على الصحة الجيدة لشهادة الباكالوريا …”. فيما يؤكد بلمختار بأن لا حاجة للرفع من حيرة المحتار ، لأن الشهادة كغيرها  من المباريات ستبقى مبنية على مبدأ تكافؤ الفرص مع تفعيل كل آليات زجر الغش و التلاعبات ، مع العلم أننا كمغاربة لا زلنا ننتظر محاسبة مقترفي جريمة السنة الماضية ، و لم ننس بعد كوابيس الأمس القريب ، آباء و تلامذة و مسؤولين ..

وعلى ذكر آليات الزجر التي تحدث عنها الوزير المحترم ، فلا نعتقد أن الإجراءات المؤسساتية و القانونية ، و المصادقة على المراسيم ، و لا حتى الاستعانة بوسائل التكنولوجيا الحديثة ( كاشفات الهواتف السنة المنصرمة ثم كاميرات المراقبة هذه السنة ..الخ) ، ستقضي على الظاهرة . نعتقد أن الإطلاع على  التجارب المقارنة قصد الاستفادة و الاعتبار ، و تفعيل المساطر القضائية المضبوطة و إصلاح منظومة العدالة بعيدا عن مزاج الأشخاص و الشخصيات هو السبيل إلى التغيير .

صحيح إلى حد ما  – كما قال المنفلوطي في إحدى مقالاته الأدبية و هو يتكلم عن بعض مظاهر التخلف في المجتمعات العربية – أن المجتمعات خلقت بخيرها و عللها ، حيث يقول : ” لو كنت مدرسا أدرس في الفصل ،  لعلمت الطفل أول يوم يجلس فيه على الطاولة ، كيف يكذب التاجر و يغش الصانع و يرائي الفقيه و يتقلب الصحفي  و كيف يدجل الطبيب … فإن لم تعجبه الدنيا بعلتها هاته ، فليبحث له عن مغارة في قمة من قمم الجبال و ليأكل مما تأكل منه الطيور و الحشرات ، و ليبق على حالته تلك  حتى يوافيه أجله..”.   لكن السؤال الذي يفرض نفسه دوما في هذا الصدد هو : لماذا نحن متأخرون في مجتمعنا خصوصا فيما يتعلق بالتفاني في تحمل المسؤولية مقارنة بالعالم المتقدم ؟؟. بكل بساطة ، لأننا لا نربطها قط بالمحاسبة .

فكيف ستربي الدولة شبابها على المواطنة الجيدة، و هم يشاهدون بأعينهم كيف أن هذه الدولة لم تستعمل الزجر الحقيقي لمحاربة الغش  في الانتخابات ، و الغش في السلع إلا عند اقتراب شهر رمضان ، و الغش في الأثمنة و مواد المباني السكنية و الطرقات ، و كيف تغاضت عن ملفات الفساد العظمى بالتعاضدية و صناديق التقاعد و كذا القرض العقاري و السياحي في عهد الفيلالي و مولاي الزين الزاهدي ، الملف الذي تورطت فيه شخصيات من علية القوم و عائلات نافذة جد مقربة ! . و كيف لم تحرك ساكنا في شراء شواهد الدكتوراه و تزوير نتائج المباريات الرياضية …الخ ، في حين أن الكثيرين من هؤلاء الشباب تابعوا عبر ثلاث سنوات كيف أعطت فرنسا مثلا ، درسا لا ينسى ل Bernard Tapet و هو يتلاعب في نتيجة مقابلة فريقه أولمبيك مرسيليا الذي تقهقر إلى الدرجة الثانية و نال رئيسه عقوبة سجنية صارمة جراء ذلك !  فما بالك لو كان التلاعب يخل  بإحدى المؤسسات الداعمة للاقتصاد الوطني الفرنسي  أو بالمؤسسة التعليمية  ! ؟..

فعلا ، أعمال المجتمعات كما قال الإسكندري ” صور قائمة و روح وجودها سر الإخلاص فيها ” ، و نعتقد أن المحاسبة و تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب هو من العوامل الهامة في تحقيق الإخلاص و التفاني .  و الأمثلة كثيرة أيها الإخوة الكرام ، و ” العهد الجديد” الذي يفضل البعض أن يسمي به مرحلة ما بعد 2011 ، لا يمكن أن يتحقق بالمملكة الشريفة إلا بإصلاح القضاء الذي يجب أن يضرب بقوة مساطره القانونية المضبوطة بعيدا عن أي تمييز أو تحيز يخل بالمبدأ الحقوقي لتكافؤ الفرص من جهة ، كما يخل بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بالتطبيق المحايد لآليات المراقبة و المعاقبة . و هكذا سنتقدم إلى الأمام .. كل موعد امتحان شهادة باكالوريا ، و أنتم بخير . دمتم سعداء .


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد