قمت مؤخرا بجولة بإحدى المساحات التجارية الكبرى من أجل اقتناء وسيلة منزلية اعتيادية وبسيطة. بعد جولة بين الرفوف المخصصة للتجهيزات المنزلية رفقة إحدى مرشدات البيع، أثار انتباهي وجود العديد من الماركات والعلامات التجارية والعروض التنافسية بين المنتوجات والشركات المصنعة، منها الكبرى والشهيرة ومنها صغرى وجديدة، ومن مختلف بلدان العالم بدء من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكوريا واليابان وأمريكا وإنكلترا والصين… وانتهاء بتركيا التي غزت الأسواق والبيوت، دون أن تكون أية شركة صناعية مغربية ومنتوج محلي من بين الصناعات والمعروضات والبلدان المنتجة!
سألت مرشدة البيع إن كان من بين الشركات والمنتوجات المعروضة ولو البسيطة منتوج لمقاولة مغربية؟ أجابت بالنفي، وأوضحت بأن المغرب لا يتوفر على صناعات تجهيزية في هذه المجالات، كالوسائل الالكترونية من تلفاز وآلات التبريد والتسخين والتدفئة والتكييف والتصبين وغسل الأواني والمعصرات والخلاطات وحتى الوسائل البسيطة …، رغم نقص التكلفة ووفرة الخبرة والازدياد الكبير لوتيرة التصنيع والاستهلاك في هذه المجالات خلال السنوات الأخيرة، اللهم بعض المنتوجات البسيطة التي تصنع بالدار البيضاء كالأفران وتبقى “سوقية بتعبيرها، ولا تستجيب للحد الأدنى من المواصفات التقنية والصناعية وشروط الجودة.
تذكرت تلك الجملة الشهيرة المكتوبة على علبة الكبريت والتي كان يحفظها جل المغاربة عن ظهر قلب، “باستعمالكم للمنتوجات الوطنية تساهمون في اقتصاد البلاد”.
تبادرت إلى ذهني العديد من الأسئلة التي كثيرا ما تغاضينا عنها أو حجبها عنها زحف العولمة وزيف النقاشات الفارغة وبؤس السياسة والساسة في هذه البلاد : لماذا لا يمتلك المغرب مقاولات صناعية، على الأقل في بعض أبسط المجالات والمنتوجات الأكثر رواجا وأقل تكلفة تقنية وصناعية؟ ولما ذا لا يستطع المغرب تطوير صناعاته وولوج سوق الإنتاج والاستهلاك المحلي والتنافس وتلبية الحاجيات المتزايدة للمجتمع والمستهلكين في هذه المجالات؟ وما حقيقة وما جدوى كل ما يسمعه المغاربة حد التخمة خلال السنوات الأخيرة من برامج صناعية وعقد اتفاقيات مع شركات كبرى وإحداث موانئ ومناطق صناعية كبرى، إن لم يكن كل هذا لا يسمح بولوج مجالات التصنيع ، وليس التركيب والخدمات، على الأقل الصغرى والبسيطة؟
ما جدوى تعليم وسياسة صناعية ووزارات ووكالات واتحاد مقولات ومخططات بكل ألوان الطيف ورساميل وإصلاحات وحكومات وجامعات لا تستطيع أن تكون وتطور كفاءات ومقاولات في أبسط مجالات الإنتاج والتصنيع؟
وما نوعية التكوين والدبلومات التي يتلقاها خريجو العشرات من مدارس المهندسين والتقنيين المتخصصين وتسيير الشركات والماركتينك …التي تعج بها المدن والجامعات ومعاهد التكوين، والتي تحمل العديد من التسميات البراقة، وتعلن عن نتائج باهرة، وتصرف عليها ميزانيات هامة وتستقطب ويتخرج منها مند العديد من السنوات المئات والآلاف من الطلبة المغاربة؟
تعليم عالي وتحتي وفوقي ومدرسي وابتدائي وأولي وجامعي وثانوي وعلمي وفني وأدبي وتدرجي ومهني وتكويني وتناوبي وتخصصي…، تضخم في الشعب والتخصصات و التسميات، لكن أين النتائج على مستوى مخرجات أنظمة التربية والتكوين والبحث العلمي ودورها المباشر في التطور الصناعي والتقني والفني للبلد؟
فالتعليم والجامعة التي لا تتيح ولا تمكن البلد من إنتاج صناعي وتكنولوجي وفني في أبسط المجالات التي صارت في المتناول، ومدرسة أو جامعة لا تكون الإنسان المنتج والمبدع والصانع ، والإنسان الفرد والسياسي والمدبر والمسؤول المواطن، والإنسان الإنسان بكل معنى واختصار، ما جدواها؟
وما جدوى الحكومات والأحزاب والإدارات التي تتعاقب على تدبير وتبرير أزمتها وكسادها أو قصورها، وكل ما تسوقه، ليس الثقافة والفنون والمنتوجات والماركات الصناعية، بل لهفة الكراسي والكلام الفارغ ووفرة الأوهام؟ نشر بهسبريس بتاريخ 28 اكتوبر 2016