جامد، منتصب القامة أمام نافذة قد تفتح يوما و قد تظل موصدة لمدة أطول من الزمن حسب تعابير وجهه، وما أن عانق الحرية يوما راكم جل أوراقها ورتبها بحسب اليوم و الساعة إلى اشعار آخر حتى لا ينسى تاريخه.
وهو خارج الدورة الزمنية يشم ريح الربيع الدامي كدمية منكسرة الخاطر شق رأسها نصفين، نصف يحملق في السماء بعيدا بين أنوارها، والنصف الآخر ينظر إلى أرض مروية بجل قطرات الندى و يتساءل، هل فعلا حريته حرية انسان؟
شاعت نبرات الوفاة بين الدروب و الأزقة، وصار للحياة معنى آخر ذهب ضحيته كل من سولت له نفسه أن يأمن في مفاهيم يا ما أبكت سقراط و افلاطون و شاع شعاعها، ضباب أسود، على اشلاء في جل الأنحاء تعطي للمكان صورة كتبت على واجهتها انامل الدامي ” لا آمان في زمن اللا ايمان ” .
متى إذن كان كشف المستور جرما؟ ومتى كان الحق عقوقا؟ متى ستدق الشماسي و يستمتع بظلالها؟ متى سيبزغ فجر دون سفك للدماء؟ … ظروف يندى لها الجبين ويتصفد عرقا، وعناوين تؤثث صفحات الجرائد الالكترونية منها و الورقية تعطي للحياة مشاهد أكثر دموية وأكثر عنفا ( حادثة تيشكا ، حادثة طانطان … )، وقضايا مأسوية ( الزايدي ، عبد الله بها… )، وإشكالات اجتماعية تنذر بعمق الهوة بين الأغصان البارزة والأوراق الوارفة المليئة بالحياة ( الفقر، العنف، التشرميل الأسري، التشرد، المخدرات…) إلخ.
يا لمرارة الأحداث الأكثر دموية التي تنعي كل يوم ضحاياها حتى أصبح الإنسان يغطي فيها حصة الأسد، ولم تعد للإنسانية قيمة ولا رسم اثري يؤرخ للذاكرة ( الحروب )، وأضحى كابوسا يطارد كل أبناء الشعب بين الفينة والأخرى، صيد من نوع آخر، أفلام هوليودية تشهدها مجموعة من المواقع في رقعة بلدنا.
استيقظ من كابوسك فأنت سابت منذ مدة، استفق من أحلامك التي لا تنتهي، صوت ندي يرن في اذنه وهو غارق في تأملاته كأنه مسكون بجنون التفكير في معاليم الحياة التي تبعث على إعادة النظر في أروقة الزمن و تدعو إلى دراسة تاريخية من نوع آخر بعيدا عن شموس حارة، وأشلاء تملاء الأمكنة.
أعاد فتح النافذة ومعها فتح جل الأنوار، فإذا به يسقط في ” حماقاته ” مرة أخرى، و يدخل في غيبوبة الدماء ورؤيتها تدق الأبواب من جل النواحي، وتذرف الشموع رنات موسيقية حزينة تشهد للمرحلة الحالية، وتؤكد على أن السنة سنة الكوارث بامتياز.