ظننتُ أنني في مغرب تقطنه فئة من الشباب اليقظ الواعي، فئة من الشباب الذي ينشدُ الثقافة والحضارة والمسؤولية، شريحة مهمة من المواطنين الأذكياء الذين لا يبيعون أصواتهم ولا أفكارهم، لا يأبهون لمن يدعونهم لممارسات غير قانونية ولا غير أخلاقية ولا يستجيبون لنداءات فارغة المعاني، لا يُهرولون وراء كل الجموع والحشود التافهة المغزى.. لكن الأمر لم يكن كذلك، فمسيرة يوم الأحد كانت أفظع مسيرة مغربية كشفت الخبث الثقافي لشريحة عريضة من المغاربة، عرٌت كل ما يمكنه أن يُخفي جهل وتفاهة وربما اختلال عدد كبير من المغاربة ..
أتذكر في هذا السياق ما قاله الروائي المغربي محمد خير الدين “Tout évolue sauf les mentalités “،فهؤلاء الذين لبوا نداء المشاركة في مسيرة هشة مُسيئة لقيم المجتمع المغربي وتاريخه هم عطشى وجياع تتقاذفهم سبل الفقر والتخلف والحاجة، فحين زارهم المقدم وأغراهم بمئة درهم للفرد مع مجانية التنقل وتوفير المأكل والمشرب لم يترددوا في الإستجابة لطبه، ظانين بذلك أنهم سيربحون يوما لن يكون له نظير ..
آلاف المغاربة شدوا رحالهم نحو الدار البيضاء يجهلون هدف السفر والجهة الداعية له، مئات الشباب الذكور العاطلين عن العمل، وعن التفكير النقدي أيضا ، شباب تأكسدت عقولهم حين تعلق الأمر ببُطونهم، فضلوا الخنوع عوض التساؤل، اختاروا القبول عوض المعارضة، اختاروا أن يجوبوا شارع محمد السادس دون أدنى وعي بما سيقع وما سيحدث، شباب هتف بشعار “الله الوطن الملك” متبوع بشعارات هزلية ساقطة موجهة لرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، سب وشتم ونقد غير مسبوق وغير مُحترم موجه لبنكيران وفوق رؤوسهم تحلق صور الملك محمد السادس وصور العلم المغربي ، ولافتات مكتوب عليها”بنكيران ارحل”..
أظن أن الأطروحة التي تدعو إليها كل الدول – بما فيها المغرب – التي تسعى نحو الديموقراطية المتمثلة في كون الشباب هو عُملة المجتمع، هو النبراس هو الريادة وهو حامل المشعل ، هو المُعول عليه لقيادة المجتمعات، أظن أن المغرب ليس عليه الآن سوى سحب هذه الأطروحة وعلى الأقل أن يدعو لعصر تنويري كما حدث في أروبا ، فاليوم يتبين للأسف حاجتنا العاجلة لتنوير عقول الشباب من الجهل والظلام والبلادة واللامسؤولية، والدعوة لإستخدام العقل وطرح السؤال ، حاجتنا لغسل أدمغة شباب عاطل لا يفقه في السياسة شيئا، شباب لايريد أن يقول”لا” للرعونة والجهل ،شباب يرفض القطع من كل ممارسات لا تمث للتحضر والمسؤولية صلة..
هذه المسيرة ربما تعتبر عاملا مهما يختبر مستوى وعي الشباب المغربي ،وعموما المواطن المغربي الذي يتفنن في شرح مفهوم “الأخونة” و”الأسلمة” و تفسير ماوراء مسيرة يوم الأحد، والتنديد بحكومة بنكيران، الذي يردد شعارات جوفاء لا يفقه فيها شيئا، يدعو لشيء يجهله، ويطالب بشيء لا يرغبه وليس بينه وبين المطلب سوى الغباء والجنون .
آسية العمراني- طالبة صحفية