عبد السلام الناصري
الإدارة المغربية “الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود” حقيقة أكدتها السلطة العليا في البلاد يوم أمس خلال افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان..حقيقة لا ينكرها احد خاصة المواطنين الذين يترددون على الإدارات العمومية يوميا، ويكتوون بنار موظفين أشباح وغير أشباح..موظفين يفتقرون إلى أدنى حس وطني…
الإدارة المغربية تعاني من مرض عضال، مرض تفاعلت عدة عناصر وخلال سيرورة زمنية لتنتجه، وهو مرض غياب الضمير وغياب التربية السليمة وغياب آليات الزجر، في ظل تراجع خطير لدور مؤسسات التنشئة الاجتماعية خاصة الأسرة والمدرسة، ووجود تيارات الهدم الاجتماعي داخل المجتمع.
يقر الملك في خطابه أمام نواب الأمة، وأمام الشعب المغربي، أن الإدارة العمومية المغربية مريضة.. ونعلم جيدا أن الملك لم يدق ناقوس الخطر إلا بعدما أحس ووصلته الأصداء أن وقت الإصلاح داخل الإدارة قد حان، ولأن المواطن فقد الثقة في كل المؤسسات وخير دليل على ذلك نسبة التصويت الضعيفة في الانتخابات التشريعية الأخيرة. كأن المواطن يطرح سؤالا كبيرا، ماذا تغير لكي نصوت؟ فابسط وثيقة إدارية يلزمك خوض حرب طويلة الأمد مع موظفين يعتقد بعضهم أن هذه الإدارة “ورثها عن أبيه أو جده” هذا إن حضر إلى عمله طبعا.
كيف ستثق في إدارة تطلب منك إحضار السجل العدلي من وجدة وأنت في أكادير. ذنبك فقط أن أمك ولدتك في وجدة..؟؟ كيف ستثق في إدارة ، حينما تدخل إليه تعتقد أنك داخل إلى السوق ولن تحصل على حقوقك إلا وجيبك ممتلئ بمختلف القطع والأوراق النقدية..كيف ستثق في إدارة ومؤسسة ترسل إليها طفلك ويعود كما أرسلته في بداية الموسم الدراسي .. أو ترسله في الصباح لكي يدرس ويعود إليك لأن المعلم أو الأستاذ تغيب بدون عذر..؟؟ كيف تتق في إدارة تحمل إليها مريضا عزيزا فيعود إليك جثة هامدة بسبب تغيب الطبيب أو مغادرته قبل الوقت أو رفضه أداء مهمته…؟؟
إن اختلالات الإدارة العمومية المغربية كثيرة ولا حصر لها ولعل أهمها على سبيل الذكر لا الحصر، هو عدم مسايرتها للتطورات الحديثة سواء على مستوى تجهيزاتها أو على مستوى مواردها البشرية، ونعلم جيدا ماذا حدث في السبعينات والثمانينات حت التسعينات من القرن الماضي، حينما قام عدد من رجال السلطة والمنتخبون والأحزاب بإغراق الإدارة المغربية، خاصة الجماعات المحلية، بكل من هب ودب، من المعارف ومن أشباه المناضلين في هذه الأحزاب دون النظر إلى الكفاءة المطلوبة… ونعلم جيدا أن الإدارة المغربية لا تعاني من الخصاص في بعض فروعها، وإنما تعاني من وجود الموظفين الأشباح الذين ولجوا إليها باستعمال الأساليب السلف ذكرها…
لقد حان الوقت لكي يرفع كل متستر عن هؤلاء يده عنهم لكي ينكشفوا للرأي العام ويحاسبوا على ما حصلوا عليه من أموال هذا الشعب دون أن يؤدوا ولو خدمة بسيطة للمجتمع. بل أن يحاكموا هم ومن شاركهم في جريمتهم…
ويبقى مرض الغياب والغياب المتكرر من الأمراض الفتاكة داخل الإدارة العمومية المغربية، مرض ناتج عن غياب الضمير لدى المتغيب وعن موت هذا الضمير نهائيا لدى رئيسه الذي يتغاضى عنه، وفي ذلك تبادل للمنافع.
فهناك من يغادر مكتبه من يوم الأربعاء ولا يعود حتى يوم الاثنين وهناك من يغادر يوم الجمعة بأكمله بدعوى أداء صلاة الجمعة. ولا يعلم بأنه ارتكب جرما وان العمل عبادة، وهناك من يغادر إلى المقهى لنصف يوم، وهناك من يدخل إلى مكتب صديقه أو صديقته المجاور، وهناك من يغادر نهائيا من خلال إبحاره في الانترنيت أو اللعب على الحاسوب…
وكل هذا بتواطؤ مع رؤساء المؤسسات ورؤساء المصالح ورؤساء الأقسام..وهناك الأخطر من ذلك من يتغيب عن قسمه ويترك التلاميذ عرضة للشارع و من يتغيب ويترك مرضاه يعانون..إنها مظاهر انهيار المجتمع…